تحقيقات وتقارير سياسية

إسطنبول متأرجحة.. و”العدالة والتنمية” يبحث عن ثلاثة في المئة

قبل أكثر من عام، في الاستفتاء حول التعديلات الدستورية في تركيا، أجرت شركة (ماك) المتخصصة في استطلاعات الرأي مسحًا بعد تصويت المقيمين الأتراك في مدينة لوس أنجلوس الأميركية، فكانت نسبة مؤيدي التعديلات الدستورية هناك 62 في المئة، فيما رفض الدستور نحو 38 في المئة من المقترعين.

وعممت الشركة استنتاجها في أماكن أخرى، لتصل إلى نتيجة أن ثلاثة في المئة من الأصوات يمكن أن تؤثر في نتائج التصويت. وللمصادفة حدث هذا، وفاز مؤيديو التعديلات بنسبة ضئيلة بلغت 51.4 في المئة من عدد الأصوات الصحيحة، في مقابل 48.6 في المئة لرافضي التعديلات الدستورية.

وهذه الثلاثة في المئة هي ما يعمل أردوغان وحزبه على ضمانها، لتطابق النتائج المتوقعة نتائج استطلاعات الرأي، التي أعطت في أدنى نسبها الحزب الحاكم 46 في المئة للانتخابات النيابية، وما يزيد قليلًا على 50 في المئة في السباق الرئاسي.

انتخابات المغتربين

في انتخابات هذا الشهر، من المتوقع أن يشارك أكثر من ثلاثة ملايين ناخب تركي خارج تركيا، من خلال 123 مركزًا انتخابيًا في 60 دولة، لتعطي نتائج هذا التصويت صورة مصغرة عمّا قد يحدث في انتخابات الداخل التركي. وقد بدأ هذا التصويت، يوم 7 حزيران/ يونيو، ويستمر حتى 19 منه، قبل أن تبدأ الانتخابات داخل تركيا في 24 من الشهر نفسه. هذا إن لم تكن هنالك جولة ثانية في انتخابات الرئاسة، تبدأ في 30 حزيران/ يونيو بالنسبة للأتراك في الخارج.

نهج التعديلات

بحسب رئيس اللجنة العليا للانتخابات سعدي غوفن، فإن إجمالي من يحق لهم التصويت 59 مليونًا و391 ألفًا و428 ناخبًا، منهم 56 مليونًا و342 ألفًا و263 ناخبًا، في الداخل، وثلاثة ملايين و49 ألفًا و65 ناخبًا في الخارج، أي أن مليونَ ناخب و650 ألفًا و171 ناخبًا سيحق لهم الإدلاء بأصواتهم لأول مرة. وهذه الزيادة هي نتيجة طبيعية لزيادة عدد السكان بنسبة 13.4 في الألف، وفق إحصاءات عام 2015.

وكانت التعديلات الدستورية قد نقلت تركيا من النظام الرئاسي إلى البرلماني، وكان يُفترض أن يبدأ مفعول التعديلات الدستوري في خريف 2019، لكن انتخابات هذا الشهر عجلت في تطبيق التعديلات، وانتقصت نحو سنة من ولاية الرئيس الحالي، لكنها ستتيح له إمكانية البقاء في السلطة حتى عام 2029. هذا على الرغم من أن النص الدستوري يسمح للمرشح للرئاسة تولي الحكم لفترتين رئاسيتين متواليتين على الأكثر، لكن التعديلات الدستورية في 2017 محت مفاعيل ما قبلها، وسيكون الرئيس الحالي، رجب طيب أردوغان، أمام فرصة الحكم لثلاث ولايات رئاسية متتالية، قد تكون اثنتان منها بعد التعديل الدستوري، مدة كل منهما خمس سنوات حسب الدستور المعدل (الولاية الأولى كانت من أربع سنوات حسب الدستور السابق، نقص منها أكثر من عام، لأن الانتخابات كانت مقررة في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2019).

الصراع النيابي

آخر استطلاعات الرأي الصادرة في تركيا جاءت على لسان المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية ماهر أونال، في حوار مع تلفزيون (NTV) التركي، الذي أشار إلى إمكانية نيل الحزب نسبة 46 في المئة من الأصوات، وهذه النسبة تعني 320 مقعدًا نيابيًا من أصل 600 مقعد في البرلمان التركي (عدد المقاعد في آخر انتخابات كان 550 مقعدًا).

أما بخصوص الانتخابات الرئاسية، فأعطت استطلاعات الرأي، وفق الآلة الانتخابية للحزب، المرشح أردوغان 50 إلى 52 في المئة؛ ما يعني إمكانية حسم السباق الرئاسي من الجولة الانتخابية الأولى.

خريطة المرشحين

نذكر هنا أن ستة مرشحين سيتنافسون في السباق على الرئاسة، هم: الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان (حزب العدالة التنمية الحاكم)، ومحرم إنجة (حزب الشعب الجمهوري)، وميرال أكشينار (حزب الخير)، وصلاح الدين دميرطاش (حزب الشعوب الديمقراطي)، وتمل قره ملا أوغلو (حزب السعادة)، إضافة إلى دوغو بيرينجيك (حزب الوطن).

كما تتنافس عشرة أحزاب سياسية في الانتخابات البرلمانية، منها الأحزاب الخمسة الممثلة في البرلمان الحالي (العدالة والتنمية – الشعب الجمهوري – الحركة القومية – الشعوب الديمقراطي، الحزب الجيد)، إضافة إلى حزب تركيا المستقلة، وحزب الوحدة الكبرى، والحزب الديمقراطي، وحزب السعادة، وحزب الوطن.

جغرافيا الناخبين

يرى معظم المحللين في تركيا أن الخارطة السياسية للناخب التركي لن تتغير بشكل محسوس، وسيحافظ كل من الأحزاب الكبرى على حصته الجغرافية والديموغرافية، فالولايات الساحلية على البحر الأسود والبحر المتوسط ستصوت بأغلبية نسبية عمومًا، ومطلقة في بعض الولايات، لحزب الشعب الجمهوري، وربما لحزب الخير أيضًا، بينما ستصوت ولايات جنوب شرق تركيا لحزب الشعوب الديمقراطي، فيما ستكون الأغلبية المطلقة من المصوتين في ولايات وسط وشمال وجنوب تركيا لحزب العدالة والتنمية، عدا أنقرة وإسكيشهير اللتين تفوق فيهما الرافضون للتعديلات الدستورية العام الماضي على المؤيدين للتعديلات.

لكن الاستقطاب الحاد في الاستفتاء على التعديلات الدستورية قد لا يتكرر في هذه الانتخابات، كون الحسابات السياسية مختلفة، وميول الناخبين مختلفة أيضًا، فالنظام أصبح رئاسيًا، والبرلمان الجديد يضع مؤيدي الأحزاب في مواجهة مؤيدي الأحزاب الأخرى، وبالتالي ستكون الخيارات سياسية استراتيجية، واقتصادية إلى حد كبير، سياسية؛ لأن قضية اللاجئين السوريين هي الجزء الأكثر شعبوية، في خطاب حزبي الشعب الجمهوري، وحزب الخير؛ واقتصادية لأن قضية تراجع سعر صرف الليرة يشغل الأتراك جميعًا وسط انتخابات ستكون بمثابة “كسر عظم”، بالنسبة لأردوغان ومنافسيه الرئيسيين، إنجه وأكشينار.

ثلاثة في المئة

نسبة الـ 3 في المئة التي قد تحسم المعركة لصالح حزب العدالة والتنمية قد تكون في إسطنبول (15.3 مليون نسمة في نهاية عام 2017)، وربما تكون في الولايات التي خسرها الحزب في استفتاء العام الماضي، حيث صوّت 2 في المئة من ناخبي العدالة والتنمية ضد تعديلات الدستور.

مقالات ذات صلة

إغلاق