تحقيقات وتقارير سياسية

مذكرة توقيف جميل حسن.. فُتح الباب ولن يُغلق

بعد قبول دعوى قضائية في ألمانيا، وصدور مذكرة توقيف بحق اللواء جميل حسن، مدير إدارة المخابرات الجوية، وهو نتاج عمل متواصل بين المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير؛ تُرى هل يمكن أن يؤثر ذلك في بنية نظام الأسد، أو أن يوقف إجرامَه بحق الشعب السوري؟ وهل يفتح هذا الموضوع المسألة على محاكمات رموز النظام في المستقبل القريب؟

في هذا الموضوع، قال المحامي أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، لـ (جيرون): إن “ما جعل النظام ورجالاته يستشرون بالإجرام هو شعورهم بالحصانة والحماية من المساءلة والعقاب، ولعل شعورهم الآن بأن هذه الحصانة انتهت، سيدفعهم إلى الخوف من العقاب، وهذا سيؤثر في أفعالهم”، وأضاف: “فُتح الباب ولن يُغلق، وستكون هذه المحاكمات بموجب الصلاحية الدولية للمحاكم الوطنية، على عكس محكمة الجنايات الدولية، غير خاضعة للسياسة الدولية، ولا يمكن التحكم فيها أو إلغاؤها، لوجود مدّعين شخصيين”.

المحامي طارق حوكان، مدير المكتب القانوني في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير في ألمانيا، أكّد لـ (جيرون) أن “مذكرة التوقيف الصادرة هي خطوة على طريق طويلة، ولذلك قد لا يكون لها بحد ذاتها تأثير مباشر على النظام السوري، إلا أن ما يتعلق بها من إجراءات عملية، أي في هذه الدعوة وفي غيرها من الدعاوى المقامة، سيكون ذا أثر كبير عليه. وفي الوقت ذاته يجب ألا ننسى أن مذكرة التوقيف صادرة بحق شخصٍ ينتمي إلى الدائرة الضيقة المحيطة برأس النظام، ولهذا دلالته الخاصة. فمن ناحية أن صدور هذه المذكرة هو خبر جيد، بالنسبة إلى ضحايا إجرام النظام، وهو يحمل -بما يحمله من ثقل قانوني وسياسي- جرعة كبيرة من الأمل، بأن العدالة قادمة وهذا له أهميته الخاصة، وهناك شعور عام لدى السوريين بأن العالم تخلى عن التزاماته الإنسانية في سورية. لذلك فإن لصدور هذه المذكرة عن المدعي العام الفدرالي في ألمانيا دلالات سياسية، إضافة إلى ثقلها القانوني، فكونها تصدر، في هذا الوقت الذي يجري فيه إعادة تسويق النظام، من ألمانيا تحديدًا، بما تمثله من ثقل أوروبي باعتبارها من الدول التي تتبنى سياسة “واقعية” في ما يتعلق بموقفها من النظام السوري، يُعد رسالة للنظام مؤداها أن التعاطي الواقعي مع الوقائع على الأرض، والسعي لحل سياسي في سورية، لا يعني السكوت والصمت عن الجرائم المرتكبة، والسبب في ذلك يكمن في القناعة التامة بأن لن يكون هناك سلام مستدام في سورية، دون عدالة ومحاسبة. ولا يمكن إدارة الظهر لمعاناة مئات الآلاف من الضحايا، ومطالبتهم في الوقت نفسه بأن يكونوا جزءًا من عملية السلام”. وأضاف حوكان: “لذلك فإن مذكرة التوقيف، بما تمثله من خطوة أولى على طريق العدالة الطويل، تؤكد لمرتكبي الجرائم في سورية أن لن يكون هناك إفلات من العقاب، وأن العدالة ستطال كل من شارك في التنكيل بالسوريين. وهناك دعاوى أخرى مرفوعة في ألمانيا، وقد صدرت المذكرة في إحدى هذه الدعاوى، إضافة إلى دعاوى أخرى في فرنسا والنمسا، ويتم السعي للاستفادة من مبدأ الاختصاص العالمي في القضاء الوطني، حيث ما أمكن ذلك، والعمل على رفع دعاوى جديدة، في دول أخرى تأخذ بهذا المبدأ”.

المحامي علي رشيد الحسن، رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار، تحدث إلى (جيرون)، وقال: “تمثل الجهود لدى السلطات في أوروبا للملاحقة القضائية على الجرائم الدولية الخطيرة المرتكبة في سورية قدرًا محدودًا من العدالة، في ظل تعطّل مسارات العدالة الأخرى، حيث يسمح مبدأ (الولاية العالمية) لهيئات الادعاء الوطنية، بملاحقة من يُعتقد أنهم مسؤولون عن جرائم دولية خطيرة بعينها، مثل التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإن كانوا ارتكبوها في أماكن أخرى، أو لم يكن المتهم أو الضحايا من مواطني الدولة، وتكمن أهمية مثل هذه الملاحقات القضائية، في محاسبة الجناة المسؤولين عن ارتكاب فظائع، وهي تحقق العدالة للضحايا الذين ليست أمامهم أبواب أخرى يطرقونها، فهي تردع وقوع الجرائم في المستقبل، وتساعد في ضمان عدم تحوّل الدول إلى ملاذ آمن لمنتهكي حقوق الإنسان، وأغلب محافل تحقيق المحاسبة الجنائية ما زالت مغلقة، سواء عن طريق محكمة دولية أو على مستوى الدولة في سورية”.

القاضي أنور مجني قال لـ (جيرون): “خبر قبول الدعوى القضائية بحق بعض رجال النظام من مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هو رسالة تؤكد أنه طالما كان هناك مخلصون يسعون لإنصاف الضحايا فإن العدالة قادمة لا محالة. مذكرة توقيف بحق المنتهكين هي رسالة لكل رجال النظام أنكم ستلاحقون يومًا ما، وأن هذا النظام لن يكون قادرًا على حمايتكم؛ ما قد يتسبب في ردعهم عن الاستمرار في جرائمهم. إن بدء صدور مذكرات توقيف بحق رجال النظام المتورطين بجرائم، سيكون له تأثير في قدرة حلفاء النظام على إعادة تعويمه وإبقائه لما بعد المرحلة الانتقالية، وإن صدور مثل هذه المذكرات يعزز الأمل بالعدالة الانتقالية التي تتضمن محاسبة المنتهكين، إضافة إلى زيادة الأمل لذوي الضحايا بإمكانية السير بطريق إنصاف الضحايا وذويهم”.

في الموضوع ذاته، يرى المحامي ياسر السيد أن “قبول الدعوى في ألمانيا شيء جيد جدًا، في مجال ملاحقة مجرمي الحرب ومجرمي النظام، إذ إنه يعوق حركتهم خاصة في الدول الأوروبية، ولكنه لا يؤثر بشكل مباشر في بنية النظام. أما من جهة فتح مسألة محاكمة رموز النظام وإجرامهم، فنأمل أن يكون ذلك في المدى القريب، خاصة أن هناك بعض القضايا التي تمّ فتحها بحقهم سابقًا في إسبانيا وألمانيا، ولم تُكلل بالنجاح، أرجو أن يتم الأمر بشكله القانوني على أكمل وجه، وأن تتوسع دائرة الملاحقين من رموز النظام، وأن يحاكَموا على ما قاموا به من جرائم حرب وضد الإنسانية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق