ترجمات

ما الذي يقدّمه لنا الدّين (ولا يمكن للعلم أن يقدمه)

ويليام ويدمير من نيو يورك تايمز

إنه وقتٌ عصيب لأن ندافع فيه عن الدين. لقد تقلّص احترامه في كلّ ركن من أركان الحياة الحديثة، ليس فقط بين الملحدين والمثقفين، ولكن بين الجمهور الأوسع أيضًا. ويبدو أن الجيل المقبل من الشباب سيكون الكتلة البشرية الأكثر ابتعادًا عن الدين في الذاكرة الحديثة.

هناك أسباب وجيهة لهذا الاستياء: استمرار عمليات الكشف عن الإهانات التي يرتكبها الكهنة ورجال الدين، وحملات الجهاد ضد “الكفار” والعداء المسيحي المحليّ تجاه التنوع والثقافة العلمانية. لقد أدى هذا التقارب في السلوك السيئ، والدعاية السيئة، إلى ترديد كثيرين لادعاء عالم الأحياء التطوري إي. ويلسون: “من أجل التقدم البشري، فإن أفضل ما يمكن أن نفعله هو التقليل من المعتقدات الدينية، لدرجة الإزالة”.

على الرغم من المشاكل الحقيقية جدًا المتعلقة بالدين –ونزعتي الشكية التاريخية تجاهه- فإنني لا أوافق على هذا الرأي. أود أن أناقش هنا، حقيقة، أننا ما زلنا بحاجة إلى الدين. ربما تكون القصة طريقة جيدة لأن نبدأ.

ذات يوم، بعد إلقاء محاضرة بشكل احتفالي على مجموعة من الطلاب الجامعيين، حول عدم تماسك التوحيد، اقترب مني طالب خجول، كان يتمتم بعصبية من خلال قصّة محزنة للغاية، قصة فكّكت ببطء قناعاتي وافتراضاتي حول الدين.

قبل خمس سنوات، أوضح أن أخاه المراهق الأكبر سنًا قد تعرض للطعن بوحشية حتى الموت، وهوجم بشراسة، وشُوّه من قبل مجرم لم يُقبض عليه حتى الآن. حطمت الحادثة طالبي وأمه وأخته. أمه، عانت من انهيارٍ عقلي بعد فترة وجيزة، وكان من الممكن أن تدخل مؤسسات الرعاية في غياب الحقيقة التي توقعت فيها أن ترى ابنها المقتول مرة أخرى، وتجتمع معه في الحياة الآخرة، حيث كانت متأكدة من أن جسده سيُستعاد كاملًا. هذه المعتقدات الإيمانية الداعمة، إلى جانب طقوس الكنيسة التي انخرطت فيها بعد مقتل ابنها، انتشلاها من حافة الحزن المُنهك، وأعطاها القوة لمواصلة تربية طفليها الآخرين: طالبي وأخته.

بالنسبة إلى ملحدٍ تقليدي، كل هذا يبدو غير عقلانيّ، وبالتالي غير مقبول. المعتقدات الإيمانية، كما قيل لنا، يجب أن تتماشى مع الأدلة، وليست مجرد عواطف. من دون معايير عقلانية، مثل تلك المعايير المتجذرة في العلم، سوف نتحرك مترهلين جميعًا نحو الفوضى، وننتهي في ظُلمة ما قبل التنوير.

أنا لا أنوي محاولة إنقاذ الدين على أنه قابل للتعقل. إنه غير قابل للتعقل للغاية. لكنني أريد أن أناقش بأن لاعقلانيته لا تجعله غير مقبول، وعديم القيمة أو وضيعًا. قد تكون لاعقلانيته مصدر قوته.

إن دماغ الإنسان هو عبارة عن مجموعة غير مرتبة من أنظمة تشغيل مختلفة: دماغ الزواحف القديم (وظائف الحركة، وغرائز القتال أو الطيران)، أو الدماغ الحوفي أو الثديي (العواطف) والقشرة المخية الحديثة المتطورة (العقلانية). يثير الدين الدماغ العقلاني، لأنه يتعامل مع التفكير السحري والتفكير المفتقد للبرهان، لكنه يغذي الدماغ العاطفي لأنه يهدئ المخاوف، ويجيب على ما تتوق إليه ولا تناله، ويقوي مشاعر الولاء.

وفقًا لعلماء الأعصاب البارزين، مثل جاك بانكسب، وأنطونيو داماسيو، وكينت بيدريدج، فضلًا عن علماء النفس التحليليين مثل مارك سولمس، فإن عقولنا مدفوعةٌ في المقام الأول من قبل أنظمةٍ عاطفية قديمة، مثل الخوف والغضب والشهوة والحب والحزن. هذه القوى قابلة للتكيف، وتساعدنا على البقاء أحياء، على النجاة إذا تمت إدارتها بشكل صحيح، بمعنى إذا كانت قوية بما يكفي لإنجاز أهداف البقاء/ النجاة، ولكن ليس بالقوة التي تمكّننا من قهرنا عاطفيًا، وتؤدي إلى العُصاب والسلوك غير المتكيف.

ادعائي هو أن الدّين يمكن أن يوفّر وصولًا مباشرًا إلى هذه الحياة العاطفية، بطرقٍ لا يمكن للعلم أن يقوم بها. نعم، العلم يمكن أن يعطينا مشاعر عاطفية بالتعجب في عظمة الطبيعة، ولكن هناك العديد من أشكال المعاناة البشرية التي لا يمكن للعلم أن يقدّم أي سكينة لها. الضغوط النفسية المختلفة تتطلب أنواعًا مختلفة من الخلاص. على عكس الإشادات العلمانية السابقة بالدين التي تثني على وظيفته الأخلاقية والحضارية، أعتقد أننا بحاجة إلى الدين لأنه شكلٌ من أشكال اختبار الجاهزية للإدارة العاطفية.

بالطبع، هناك جانب مظلم جيد التوثيق للعواطف الروحية. الحياة العاطفية الدينية تميل نحو الميلودراما (الإثارة والشجن). لا يزال الدين يتعامل بسهولة مع سرديات الخير والشر، ويوفّر صفقات لأوهام الانتقام والعدوان التي يغذيها هرمون التستوستيرون. في حين أن هذا النوع من التعصب خطير بشكل لا يمكن إنكاره، إلا أن معظم الدين مفيدٌ في الواقع للأسرة المتوسطة التي تكافح من أجل كسب العيش في الأوقات العصيبة.

الطقوس الدينية، على سبيل المثال، تحيط بالشخص المفجوع بمواردنا الأكثر أهمية: الناس الآخرين. حتى أكثر من الثدييات الأخرى، فإن البشر يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الآخرين، ليس فقط للحصول على الموارد والمهارات، ولكن للشعور بالاطمئنان (أنهم غير مرضى). والاطمئنان أكثر أهمية من التفكير السليم لبقائي على قيد الحياة/ نجاتي.

الممارسة الدينية هي شكلٌ من أشكال التفاعل الاجتماعي الذي يمكن أن يحسّن الصحة النفسية. عندما تفقد شخصًا ما تحبه، يوفر الدين إطارًا علاجيًا من الطقوس والمعتقدات الإيمانية التي تنتج الأوكسايتوسين (هرمون الولادة السريعة)، والمواد الأفيونية (التخديرية) الداخلية، والدوبامين (وهو مركب موجود في الجسم كناقل عصبي ومحرض على مواد أخرى منها الأدرينالين)، وغيرها من المؤثرات الإيجابية التي يمكن أن تساعد في التكيف والبقاء على قيد الحياة (النجاة). تلعب المعتقدات الإيمانية دورًا، ولكنها ليست الآليات الأساسية لإيصال أو توليد مثل هذه القوة العلاجية. وبدلًا من ذلك، فإن الممارسة الدينية (الطقوس، والأنشطة التعبدية، والأغاني، والصلاة والحكايا) ترتب عواطفنا؛ ما يمنحنا فرصًا للتعبير عن اهتمامنا ورعايتنا لبعضنا البعض وقت الحزن؛ ما يوفر لنا التخفيف من التوتر والقلق، أو منحنا مخرجًا ومنفذًا للغضب.

الملحدون مثل ريتشارد دوكينز، وإي. ويلسون، وسام هاريس، يقيّمون الدين على مستوى القشرة المخية الحديثة، معاييرهم لتقييمه هي الطريقة العلمية العقلانية. أتفق معهم على أن الدين يفشل بصورة محزنة عند مستوى السلامة العقلانية، لكننا في المستوى الخطأ. لم يتم بناء عقل الزواحف (العقل الجدير بالازدراء) الأقدم، الذي بُني من خلال اصطفاء طبيعي لحلِّ تحديّات البقاء على قيد الحياة (النجاة)، ولم يُبنى من أجل العقلانية. تمّ اختيار العواطف مثل الخوف والحب والغضب -حتى الأمل أو الترقب- لأنها ساعدت الثدييات في وقتٍ مبكر في أن تزدهر. في كثير من الحالات، تقدّم العواطف طرقًا أسرع لحلّ المشاكل أكثر من الإدراك المُتعمد.

بالنسبة إلينا نحن البشر، فإن القضية المثيرة للاهتمام هي كيف يتفاعل نظام التشغيل الحيواني القديم مع نظام التشغيل الجديد للمعرفة/ الإدراك. كيف تتشابك مشاعرنا وأفكارنا معًا لتأليف حياتنا العقلية وسلوكاتنا؟ أظهر عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو أن العواطف تُشْبَع (تصل إلى حالة الإشباع) حتى ملامح أو سمات معالجة المعلومات التي تبدو نقية في المداولات العقلانية. لذلك هناك يحدث شيء معقد عندما تَتذكر أمُ تلميذي، وتتواصل مع ابنها المتوفى، وتدمجه في سردية دينية، بحيث تساعدها على التقدم بالرغم من المصاعب.

لا يوجد أيّ قدر من التفسير العلمي أو التنظير الاجتماعي-السياسي يمكنه أن يُعزي/ يواسي أم الصبي الذي طُعن. لن يُقدّم كلٌّ من بيل ناي (رجل العلوم)، ونيل دوغراس تايسون (عالم فيزياء أميركي)، الكثير من المساعدة، إذا ما قرروا أن يزوراها، ويشرحا علم وظائف (فيزيولوجية) المعاناة وعلم اجتماع (سوسيولوجية) الجريمة. لكن التفكير السحري بأنها ستشاهد ابنها المقتول مرة أخرى، إلى جانب العناق والأغاني مع رفقائها الأبرشيين، يمكن أن يحافظ عليها. إذا كان هذا الأمل ذو الأرضية العاطفية يعطيها الطاقة والحيوية لمواصلة رعاية أطفالها الآخرين، فإنه يمكن أن يفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى الآخرين. ويمكننا أن نفهم لماذا يستمر الدّين.

البعض منا من هم في العالم العلماني الذين ينتقدون هذه الاستجابات الاستراتيجيات العاطفية باللازمة: “لكن هل هذا صحيح؟” فهم يضيّعون الهدف. معظم المعتقدات الدينية ليست صحيحة. ولكن هنا هو الجوهر (صلب الموضوع). الدماغ العاطفي لا يهتم/ يبالي. فهو لا يعمل على أساس الصواب والخطأ. العواطف ليست صح أو خطأ. حتى الخوف الرهيب داخل الحلم يبقى خوفًا مروعًا. هذا يعني أن معايير قياس النظرية السليمة ليست معايير لقياس العواطف الصحية. على عكس النظرية السليمة التي يجب أن تتوافق مع الحقائق التجريبية، فإن المشاعر الصحية هي التي تسهم في التوازن الكيميائي العصبي أو الحالات العاطفية الأخرى التي تعزز الازدهار البيولوجي.

أخيرًا، نحن بحاجة إلى كلمة أو اثنتين حول المواد المخدرة (الأفيونية). لقد اتبعت الإدانة الحديثة للدين التوبيخ الماركسي، بأن الدين هو مادة مخدرة أفيونية يُدار بشكلٍ غير مباشر من قبل سلطة الدولة من أجل تأمين شعبٍ سهل الانقياد، شعب يقبل الفقر والضعف السياسي، على أمل الحصول على مكافآت فوق طبيعية. “الدين هو زفرة المضطهدين”، كما زعم ماركس، و”قلب عالمٍ بلا قلب، وروح ظروفٍ بلا روح. إنه أفيون الشعب”.

لقد وجه ماركس، وماو، ومالكولم إكس، هذا النقد ضد الدين التقليدي، ويعتمد هذا النقد حتى يستمر كإهانة أخيرة مترفعة ليتم إلقاؤها على المؤمن. لقد استخدمته بنفسي عدة مرات، معتقدًا أنه كان سلاحًا حاسمًا. لكن في السنوات الأخيرة، غيّرت رأيي بشأن هذا النقد.

أولًا، الدين يعطي حيوية بقدر ما يقدم تخديرًا. في كثير من الأحيان بمقدار ما يُخدّر أو يفقد الأحاسيس، يحفز وينشط المؤمن. هذا النوع من الدين المفعم بالحيوية يمكن أن يجعله أكثر خطورة على الدولة من كونه مهدئًا، كما أنه يلهم الكثير من الأعمال الخيرية غير المعهودة.

ثانيًا، ما السوء في تخفيف الألم على أي حال؟ إذا كانت وجهة نظري عن الدين علاجية في المقام الأول، فلا يمكنني أن أشعرُ باليأس عندما يأخذ بعض هذا العلاج شكل إدارة الألم الملطفة. إذا اعتقد الملحدون أنه يكفي لأن ترفض المؤمن أو تتجاهله على أساس أنه لا يجب أن يمتص آلام الحياة أبدًا، فعندئذ سأفترض أن الملحد لا يلجأ إلى أي إدارة للألم في حياته. في هذه الحالة، أحسد حظه الجيد جدًا.

بالنسبة إلى البقية منا، هناك الأسبرين والكحول والدين والهوايات والعمل والحب والصداقة. في النهاية، فإن المواد الأفيونية/ المخدرات -مثل الأندورفين- هي مكونات كيميائية فطرية في الدماغ البشري والجسم البشري، وقد تطورت، جزئيًا، لتخفف/ تهدأ أحيانًا من بؤس الكائن الحي. لنقتبس العبارة المعروفة جيدًا من الساخر الألماني ويليهم بوش: “من لديه العناية، لديه شراب كحولي (براندي)، أيضًا”.

نحتاج إلى تقدير أكثر وضوحًا لدور المسكنات الثقافية. لا يكفي رفض الدين على أساس بعض الأحكام الأخلاقية التطهرية المتعسفة حول ضعف المتعبد/ العاشق. الدين هو أقوى ردٍّ ثقافي على الحياة العاطفية الكونية التي تربط بيننا جميعًا.

اسم المقال الأصلي What Religion Gives Us (That Science Can’t)
الكاتب ستيفان تي. أسما، Stephan T. Asma
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 3/6
رابط المقال https://www.nytimes.com/2018/06/03/opinion/why-we-need-religion.html
عدد الكلمات 1505
ترجمة أحمد عيشة

 

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق