هموم ثقافية

الدراما التلفزيونية والثقافة الصناعية

مع كلّ موسم “درامي”، نحن مع استحضار عاداتٍ وتقاليد؛ بل مع نبش قبور الموتى لنشمّ، ونشوف، ونسمع، ونكتوي بروائح بطولاتهم كما خياناتهم، كمادّة مسلية ومربحة أيضًا. إنّها صناعة، مثل معامل صناعة القبّعات والجوارب والأحزمة والمعلبات الغذائية، والنتيجة محاصيل: غلالٌ وغلال من ذهبٍ تصبّ في جيوب المنتجين المستثمرين.

في الماضي القريب، كنّا ننام على حكايات جدّاتنا ـ وأيضًا ـ أمّهاتنا، وهنّ يروين لنا عن ذاك التاريخ المذهل والنبيل للبشر، في شجاعتهم ومروءتهم وإيثارهم وتسامحهم مع بعض. غير أنّه في الأعياد، حين يجيء العيد، كان هناك في الساحات العامّة حضورٌ مرئيٌ لكائناتٍ إنسانية وحيوانية “ألعاب السيرك”، وهي غير تلك الكائنات التي كنّا نتخيّلها حين نستمع إلى الحكاية، فنتصوّر أرواحًا وأشباحًا.. وكانت هذه -على ما تبعث من رضا أو غضب- تؤكّد على وحدة الثقافة ووحدة المشاعر الإنسانية. كنّا مع ثقافة العيد، ثقافة حيّة مباشرة تثير روح التعاون والتسامح والتوادد. كنّا نحكي مع بعضنا، نحكي لبعضنا حكاياتٍ وحكايات، كنّا نرقص ونغني، كنّا نجري/ نركض، نلعب ونلعب. وكان للعبنا مذاقٌ غير مذاق صور الثقافة الصناعية التي تقدّمها المسلسلات التلفزيونية. وتريد أن تسرطن رأسنا وصدرنا! ولكيلا يفهمنا أحدٌ بـ (الغلط)، أقول: لو رجعنا إلى السنوات الأولى للبثّ التلفزيوني العربي عمومًا، وإلى أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن المنصرم؛ لوجدنا أنّ معظم ساعات البثّ كانت تقوم على احترام عقل المشاهد، فتؤكّد على قيم النبالة والفروسية والكرم والمروءة والشجاعة والبطولة.. كان ثمّة قاسم مشترك بين الخبر والحكاية التي في الصورة، وعذرية العقل والقلب. فالصورة لم تكن تلفّق، وتكذب على المشاهد، كما هي الآن؛ حيث صرنا هدفًا، صرنا عدوًا لصاحبها ومنتجها؛ إذ لم يعد يرضى بأن نبقى مستهلكين لها؛ بل يعاملنا بصفتنا ضحايا.

المسلسلات العربية التي تُقدّم الآن، وبخاصة السورية؛ وإن كانت لها سمعتها الطيبة قبل الحرب، وهي كثيرةٌ ومتنوّعة، من تلك التي تتأسّس على المفارقات المضحكة، إلى التي تقوم على الفاجعة، المعاصرة منها أو التاريخية، إلى التي تكرّر حكايات غيرها، وتقوم على الإلقاء/ الحوار، وليس على صنع صورة فنية تسحر/ تدهش؛ إنّما هي مسلسلات يغلب عليها الصوت أكثر من الصورة، ولتسدّ حاجةً ليس للمستهلك، المشاهد، بل لهذه القنوات الفضائية التي صارت وحشًا له مليارات الأنياب، فيفكّ ذاك التلاحم الأسري الذي كانت تدعو له القنوات الأرضية العربية، قبل زمن القنوات الفضائية.

لنأخذ ونتذكّر: أسعد الوراق، دليلة والزيبق، حمّام الهنا، صح النوم… إلخ. لقد كانت مسلسلات، إلى جانب دعواها الأخلاقية والاجتماعية، تقوم –أيضًا- بالترويح؛ فنؤكّد ذاتنا، فلا نذوب كالملح أو السكّر في ماء الأفكار السطحية، والصراعات المفتعلة، وقصص الحب السياحية، والبطولات الكاذبة، كما في الكثير من هذه المسلسلات، فحتى الآن لم تقم العين/ عيوننا بالمشاركة في الفكر- التفكير بالصورة التي نشوفها، فلا الواقعي منها واقعي، ولا الخيالي خيالي. بل إنّ فكرنا صار يهرب، صار يفرّ، صار يتبخّر من سذاجة الخطاب الدرامي الذي يستهين بعقلنا.

في الماضي -الذي أدعو إلى استعادته- كنّا، ونحن نستمع إلى حكايات تلك النسوة، نخيّل/ نتخيّل ونشارك في صنع العوالم الخيالية لأولئك الأبطال الذين في الحكايات، وكانت مشاركتنا لهم جمالية فيها شيء من سحر، لأنّنا كنّا نقيم معهم علاقةً إنسانية. كنّا نتبادل واقعنا؛ نبادل تلك الأرواح، تلك الكائنات الشبحية، نعطيهم الواقع، فيما نركب أجنحة الخيال، ونحن نستحمّ في حلمٍ عميق يأخذنا إلى أبعد من أي نجمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق