أدب وفنون

الأطفال في رحلة صعودهم للسماء

لا يمكن النظر إلى لوحات الفنانة التشكيلية السورية ريم يسوف، بمعزل عن قيمة الفن الاجتماعية، ولعل السمة التي تميزها تكمن في هذا الجانب الثري، حيث الانسجام بين رسالة فن يغرينا في التمثيل البصري، وحساسية ما تبثه لوحاتها من مدلول تعبيري. مع هذا ثمة ما يلزمنا أن نتحدث عنه هنا؛ حيث مسحة الحزن والأسى الشفيف في معظم أعمالها، وحيث تداعياتها، إلا أن عالم الطفولة وحده، بجانبيه البريء والشقي، يكاد أن يكون العنوانَ الأبرز لهذه التجربة الفذة. فمنذ أعمالها الأولى، التي اتخذت سياقًا ثابتًا، تريد منه أن تمنحَنا -المتلقين- رؤيةً تكشف عن أصولها الجمالية، وصولًا إلى أعمال معرضها الأخير في بيروت؛ فضلًا عن الخصوصية الجلية في الفكرة، وطريقة طرحها الإشكالي والمُثير في آن معًا.

ريم يسوف، المولودة سنة 1979 في دمشق، والمتخرجة من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، قسم الرسم (التصوير) سنة 2000، استطاعت الحصول على جوائز عدة في سورية وخارجها، من أهمها شهادة “شرف” للفنون التشكيلية من المركز العالمي للإبداع سنة 2010، وفي العام 2006 فازت بالمرتبة الثانية على العالم، بتصميمٍ مقتَبسٍ من الوردة الدمشقية وتاريخ دمشق والحرير، وبتصميم آخر مثلت بحركة الطيران، تعبيرًا عن الحرية، مع دراسة الفراغ وحركة الجسد كاملة، أما في العام 2008، ففاز تصميمها لبيت شعرٍ بخط حر، يبدأ من الرقبة مرورًا بالكتف، لينتهي عند اليد بحركات منحنية تتناسب مع حركة الجسد تقنيًا وجماليًا، بالمرتبة الثانية على العالم.

كل هذه المنجزات وفرت لها طاقة أخرى؛ لتشارك في المهرجانات والورش الفنية مع فنانين من العالم، إضافة إلى معارض جماعية في دول متعددة، مثل سورية والأردن ولبنان وقطر ولندن وإيطاليا وألمانيا وهولندا وإسبانيا وفرنسا وواشنطن، وتصبح أعمالها مقتناة في كل أنحاء العالم، ومنها البنك الدولي في واشنطن.

من أبرز مَعارضها الفردية؛ معرضها الشخصي الأول في عمان سنة 2013، الذي حمل عنوان (حوار)، وهو مدخل جعل المراقبين لتجربتها ينظرون إلى إبداع مثمر يُغني من تابع لوحاتها، لما يضمه من أعمال تتغنى بالإنسان على نحو ملفت، ثم جاء معرضها البيروتي (رسالة طفل) عام 2014، ليمضي على سياق التجديد في خطاب العمل الفني، ومن ثم معرضها الثالث الذي أقامته في باريس، حيثُ تقيم حاليًا، الذي حمل عنوان (نسائم باردة)، فمعرض (حكاية قبل النوم) في عمان، ومؤخرًا معرضها الجديد (رقصة لأجل..) في صالةArt on 56th  ببيروت.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/06/20180610_222214.jpg’ attachment=’120054′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

السقوط الحر

يأتي عنوان معرضها الأخير على غرار بيت الشِعر القائل: “لا تحسبوا رقصي ما بينكم طربًا/ فالطير يرقص مذبوحًا من الألم”، حيثُ الأطفال في رحلة صعودهم الأخيرة إلى السماء، رحلة لا تشبه الرقص فحسب، بل تمتزج بالطيران أيضًا. ففي نهاية كل طابورٍ للأطفال ثمة طيورٌ تحتل المساحة العلوية من اللوحة، السنونو، دونَ غيرها من الطيور، تختارها الفنانة يسوف، ترنو إليها نظرة الأطفال، في إشارةٍ إلى توق الطفولة للحرية، دونَ أن ننسى أن لتلك الكائنات الرقيقة حيزًا حميمًا في صميم طفولتنا جميعًا، ودونما استثناء.

توظف ريم لعبة الدمى في أعمالها الأخيرة، الخيوط قد تكونُ جلية واضحةً للعيان أحيانًا، وقد تكون لا مرئيةً في أحيانٍ أخرى، وهو ما يُظهر للناظر وكأنه ثمة أيد خفية تحرك المشهد العام للوحة، يبدو دورها أشبه بدور المايسترو في قيادة وتنسيق الجانب الجمالي، عبر إضفاء نبرةٍ موسيقية إلى عالم اللون والتشكيل. فما الذي تريده من هذا المغزى التعبيري؟ إننا نقف كمتلقين لمعرفة ما تحتويه ضرورة الفن وأبعاده، ونعتقد أن فنها يبدو كمغامرة من نوع يحرك إحساسنا تجاه الذوات المستلبة، في زمن تكثر فيه البشاعة والقتل، وهنا ثمة ما يظهر لنا قابلية تغيير الفن ووجهته.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/06/20180610_222326.jpg’ attachment=’120055′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

قصائد أم تشكيل شِعري؟

تبدو لوحات ريم يسوف وكأنها قصائد كُتبَت بالألوان، حتى يحتارُ المتابع بين نعتها بالقصائد التشكيلية، أم يكتفي بأن ينسبها إلى التشكيل الشِعري، ذاك الذي يتيح المجال أمام المحاورة بين عالمي “الشِعر” و”التشكيل”، طالما يصب كلاهما -في نهاية المطاف- داخل بوتقةٍ واحدةٍ تسمى “الإبداع”. وهو مسعى يثير حساسيتنا، حينما نلتفت إلى تلك القواسم المشتركة بين الاثنين، ولكن التساؤل يكون كالتالي: كيف يتم الانسجام؟

ثمة مُخيلة تعيد لنا قيمة الاثنين، وفقا لمهارات ريم أولًا في عالم الفن، وثانيًا ضمن تراكيب عمل فني، لا تظهر انفعالًا في السطح التصويري، إنما القدرة في صناعة نسيج خاص يجمع الشعري بالتشكيلي، كان ضرورة تراها هذه الفنانة، وهذا ما أعطى المتلقي قابلية للتماهي مع لوحاتها.

ولعل اللافت في شاعرية أعمال ريم يسوف ألوانُها بدايةً؛ فالرمادي يأخذ المساحة الأبرز بين بقية الألوان، الرمادي الهادئ والقريب إلى لون السماء، فيميلها إلى سُحب الكآبةِ قبيل المطر، ومن ثم كائناتها، من أطفال أو سنونوات، قوارب ورقية، بيوت وشرفات لا نهائية، فيما يبدو الجانب التعبيري في تناولها تلك التفاصيل الصغيرة من حركة أجساد الأطفال أو طريقة حضورهم وحركتهم ضمن جوقةٍ واحدة، وتحديدًا في تلك الأعمال المؤلفة من أكثر من لوحة/ مشهد، موضوعة بجانب بعضها البعض، لتشكل بمجموعها لوحةً واحدة.

شعلة الألوان المتقدة

تختار ريم يسوف، في تلوين شخوص لوحاتها، وجُلهم من الأطفال، كلّ الألوان تقريبًا، بدءًا من الأبيض وصولًا إلى الأسود، مرورًا ببقية الألوان، وبصيغةٍ جمالية مُتدرجة، ثمة بقعة نورٍ تضيء مساحة اللوحة من الإطار إلى الإطار، وهو ما يبدو للناظر أن اللون -بالنسبة إلى ريم يسوف- روحٌ حقيقية تجوبُ معالم اللوحة، دونَ أنْ تكل أو تهدأ، لتنتقل هذه الروح بإشراقتها وفوضويتها إلى كيان الناظر/ المُتابع.

ألوانٌ حياةٌ، ألوانٌ صخبٌ، ألوانٌ وجودٌ، تشتعل في جسد القماش الأبيض كحريقٍ مُحتم، فيما الكائنات تحترق -تمامًا- كالفراشةِ في اتحادها مع الضوء.

“إن بياض القماش، المرعب الساحر بالنسبة إلي، هو نهاية اللاشيء، والانتقال إلى حياة جديدة تتشكل بالألوان والخطوط وفضاء العمل الفني”.. تقولُ ريم.

مقالات ذات صلة

إغلاق