تحقيقات وتقارير سياسية

مجزرة زردنا: رسائل روسية وتذكير بدور موسكو

أثارت المجزرة التي ارتكبتها روسيا في بلدة (زردنا) بريف إدلب، قبل أيام، وقد راح ضحيتها أكثر من أربعين مدنيًا، كثيرًا من التحليلات؛ بعض المتابعين ربطها بالتقارب التركي الأميركي، في حين عدّ آخرون أن التفاهم الجديد في منبج لا علاقة له بالضربة، لا سيّما أن روسيا لم تلتزم يومًا باتفاق خفض التصعيد في سورية، وفق رؤيتهم.

لم يرَ الباحث السوري سليمان الشمر، علاقة بين المجزرة و”ملف منبج”، وقال لـ (جيرون): “قد تكون العملية ذات بعد أمني، ومن المعروف أن روسيا لم تلتزم يومًا بخفض التصعيد، منذ انطلاقة مسار أستانا.. هكذا جرى في الغوطة الشرقية وفي ريف حماة الشمالي وفي أرياف إدلب الشرقية، وربما المنطقة الوحيدة التي التزم بها الروس إلى حدٍ ما هي منطقة الجنوب التي تضم القنيطرة ودرعا، بحكم أن الاتفاق كان مع الولايات المتحدة والأردن مباشرة، ومع (إسرائيل) بشكل غير مباشر”.

أضاف الشمر: “بخصوص المجزرة الجديدة التي ارتُكبت في (زردنا)، وراح ضحيتها أكثر من خمسين مدنيًا عدا الجرحى، فهي لا تخرج عن السياق الروسي في تعاملها مع القضية السورية، وعدم اكتراثها بالقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني، ولا أعتقد أن هذا التصرف يمكن اعتباره انزعاجًا من الاتفاق الأميركي-التركي الأخير الذي عُرف باتفاق منبج أو خريطة طريق منبج”.

تابع: “التفاهمات بين الدول لا تنهار بهذه البساطة، مهما كانت روسيا تعلق من آمال على توسعة الشرخ بين أميركا وتركيا؛ لأن روسيا تدرك أن تركيا دولة أطلسية، لا تستطيع ولن يُسمح لها بفك رباطها الأطلسي، نظرًا إلى أهميتها الجيوستراتيجية، والأمر الآخر أن الروس سهلوا، الأسبوع الماضي، انسحاب قوات (قسد) من تل رفعت، وكانوا قادرين على عرقلته”.

الكاتب السوري محمد خليفة يرى أن “الروس جاؤوا لتدمير كل ما يتعلق بالثورة السورية واجتثاث جذورها، ومعاقبة حاضنتها الاجتماعية، وهذا الفعل الإرهابي (مجزرة زردنا) يندرج بصورة عامة في هذا الإطار، إطار العدوان المتواصل على شعبنا الرافض للنظام العميل، والرافض للاحتلال الأجنبي بكل صوره، وعلى رأسه الروسي، وهذا العدوان الجديد يريد تذكير الجميع بالهراوة الروسية المسلطة، بعد فترة وجيزة من الهدوء”.

أوضح خليفة، خلال حديثه إلى (جيرون)، أن ما حصل “رسالة مشفرة للسوريين في إدلب، تفيد أن انتشار (القوات التركية الصديقة) في إدلب وشمال سورية لا يحميهم من القبضة الروسية، فهي فوق الجميع”.

أما الكاتب السوري أحمد قاسم، فيرى أن “من المتوقع أن تتطور العلاقات الأميركية التركية، بعد اللقاء الأخير بين وزيري خارجيتهما، وقد قدم كل واحد منهما مطالبه من الآخر بصورة مباشرة تتجاوز موضوع منبج؛ الأمر الذي يشكل خوفًا روسيًا وإيرانيًا قد يؤثر سلبًا في تعاملهما مع المسألة السورية، وخاصة أن بوادر الخلافات تظهر على السطح بين إيران وروسيا، على خلفية تفاهمات روسية إسرائيلية مؤخرًا حول الوجود الإيراني في الأراضي السورية”.

وأضاف لـ (جيرون): “روسيا مضطرة إلى أن تبعث رسائلها إلى جهات عديدة، من خلال تحركاتها العسكرية على الأرض. فمن جهة هددت كل المجموعات المسلحة (الشبيحة) التابعة للنظام بتسليم أسلحتها وفكفكة تنظيماتها غير الشرعية، وإلا؛ فسيتم نزع تلك الأسلحة بالقوة، وكذلك البدء بانتشار الشرطة الروسية في العديد من الأمكنة التي تسيطر عليها تلك التنظيمات التابعة للنظام (المنفلتة والتي لا تخضع للمساءلة)، لإرسال رسالتها من خلال هذه الإجراءات إلى إيران و(حزب الله)، على أن العملية ستشمل مجموعاتها أيضًا”.

عدّ قاسم أن “استهداف (زردنا) يأتي في السياق نفسه؛ هو رسالة إلى المعارضة بشكل مباشر -وإلى تركيا أيضًا- بأن قضية الوجود العسكري الأجنبي وأذرعه من التنظيمات المسلحة يجب إعادة النظر فيها والانتهاء منها، للبدء في عملية الحل السياسي للمسألة على المبدأ الروسي”، معبرًا عن اعتقاده بأن “كل هذه التحركات الروسية العسكرية والدبلوماسية تأتي نتيجة ردات الأفعال من التقارب الأميركي-التركي، وأعتقد أننا سنرى مزيدًا من ذوبان الجليد بين العلاقات التركية-الأميركية، بعد انتخابات تركيا في 24 الشهر الجاري، لذلك تحاول روسيا قطع الطريق أمام مسيرة إعادة علاقات تركية-أميركية إلى سابق عهدهما، من خلال تفاهمات جوهرية على مجمل المشكلات في المنطقة. ومن يجيد قراءة ما وراء التعابير، وبخاصة من الجهة الأميركية، سيستنتج ذلك”.

تابع: “أميركا لن تضحي بتركيا بهذه السهولة، تركيا تحتل موقعًا جيوسياسيًا مهمًا في المنطقة، تجاوز في أهميته موقع الخليج العربي بالنسبة إلى الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وروسيا تلعب في الوقت الضائع، وفي القريب الآتي، سنرى تغيرات جوهرية في المواقف الدولية، وكذلك تغيرًا في طبيعة المسألة السورية مع تفاهم أميركي تركي”.

مقالات ذات صلة

إغلاق