أدب وفنون

خفيفة كأيل

أرفع نخبك: “لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا خمر”، وآخذ فنجان الثأر دفعةً واحدةً، أتمرأى بالكأس الخزف، فأراني ملكًا ضليلًا وظلي ظل جبل، خلفي البحار الغريقة، وأمامي سكة البطولات تجاه الملك، وأنت ملكي، وأفعل المستحيل لأغويك، كأن: أعلّم على نهدك الأيمن كما يعلّم عصفور على تفاحة، كما يعلّم خمش صغير على وجهك الغض الكثير العلامات، والبهي بإشاراته.

بيننا بلدان وخوف و”وسوى الروم خلف ظهري روم”، وأحلم أنْ نشيد بيتًا، تحف به الخضرة والدواب وأناشيد الرعاة وساقية صغيرة، يتعلم بها أطفالنا المفترضون تسيير المراكب وصيد السمك، والغرق قبل أن يمخروا البحار غدًا.

البارحة في الحلم عبأت المياه في قوارير لأجعل البحر سهلًا أمامك، أغمضت عين الغابة لتنام الوحوش باكرًا، ووضعت خريطة العالم أمامي، نقلت البلد الذي أنت فيه جوار البلد الذي أنا فيه، وقلت لك: اعبري، خطوة واحدة ونكون معًا، هذا العالم صغير في الأحلام، يحتاج إلى السهل ولا يحتاج إلى المعقّد، ولا مستحيل في جعبتي مذ مررت بينابيعي وفاض سكرك عليها، ومنذ أيل يسكنك يعدو جهة الجنوب، يترك الجبال خلفه، الجبال التي كان حلمها أن تتزوجك وتنجب الكثير من الأشجار المثمرة والزهور البرية والحكايات، وهو سعي البرية لتهدئ من روع الظعن وحزن الربابات وضجر الحرمل من رائحة الغرباء، ونحن نجد في السير إلى ما نحسبه طمأنينةً، ونهلك دونه!

أرسلتِ لي صورتك بالأخضر، فصارَت حياتي قرب مكتبتي خضراء وخفيفة على الفهم، قرأت وجهك بوصفه كتابًا في التصوف، وبطنك الضامر حواف النهر، ونفور مؤخرتك موجز الميتافيزيق، ووجدت فوق نهدك الأيمن عصفورًا يشاكس ولا ينام، كنت أنهره في الأحلام بالمعنى، وأرضعه الكلام في الحقيقة، ليخف عن بهجته ويلتفت إلى شأنه، فأحظى بما أستحق من الحليب، الذي لم أنس طعمه ولم أتنكر له، وأسعى فيه بروح ذئب فتي!

أرسلت صورتك للذكرى، فعلقت قلبي قرب بيتك البعيد ممتنًا، وشهقت باسمك حتى شف الهواء عن مدينة مضيئة تحت جلده، أردت أن أقول: أنا البداة والبداية والهداية، شفاف كفراشة في إثر النار والمياه القليلة في الجنوبات، وأنت أيلٌ عنيد يسيل من الجبل صوب السهول البنية في غياب عدل السماء. أكاد أسمع عويلي في داخلي، وصوتك في كل الهواء!

تنحدرين من عين جبل سائلةً ومتصوفةً بالفتنة، بلباسك الأخضر الكردي، يحف بك الحجل والأيل والشجر في سيرة سيامند السليفي. نحو السهل أيتها الشقية قودي عربة الرغبة، حثي أحصنة السلالة النقية لتصلي البارحة قبل اليوم الذي سأموت فيه انتظارًا، وغير مصدق مما ستتركه الدهشة من غاز خفيف حول قلبي الذي “تعلق طفلةً كرديةً” في البر العربي جنوب الله.

أنا قريبك السهل، لا أعنى بما قالته الأيديولوجيا، ولي قلب يمتح من بئر الخؤولة، حتى إذا أوشكت حضني كنت نديًا وأخفف عنك حمولة الذهب من الثروة، ثروة المعنى إلى هنا، من هناك إلى هنا، وأنا بيضة الصقر الوحيدة على المرتفعات، وأنا راعي غنم، ولي فرَس واحدة لا تهرم، ولي عصا لا أهش بها الدواب، إنما أحرك بها العالم، أحرك الريح جهة النار، النار التي سيشعلها الآخرون لتنطفئ نار الحب فيك..

منذ زمن طويل يا روح الأخضر، أنا لا أجيد الكتابة السهلة، لا أجيد النوم على ضفاف الدروب المعبدة بالحيل والزفت والجثث والإشارات المرورية، منذور للغبار ومنه جئت الدنيا وفي فمي ملعقة المواجع، والأفراح التي أسميها حيلةً: المسرات. ابن جنوب فوق خط العشرة وتحت خط العدم، لا أطمع بالوصول إلى حزن مجاري الأنهار الجافة، ولا إلى مضارب أهلي الذين نسوا أنهم، إلى هذا اليوم، يسكنون بيت الشعر بأرواحهم، بينما أجسادهم تسكن إلى الحجر رهيفةً ومعذبةً مثلي تمامًا، حين اليوم أستعجل شمالك إلى جنوبي، لأحرث في الكتابة السهلة: أنت نار باردة جواتي، وليس على الذي يتلظى في سعيرك البرد السلام سوى القول: إني أتلظى نارًا، وأحيا حياة أطول وأرحب في الأبيض وتحقيق الأمنيات. لا يحتاج المشهد إلى قول أكثر من هذه الصورة التي فتشت عقلي وروحي؛ فوجدتك وعرفت سر أن يحيا الإنسان في النيران ولا يحترق، ولا تعلق بروحه إلا حرائق البلاد الكبيرة.

وها أنا مليء بأرواح كثيرة منها الصبر، لابث في الضد، أرقب اندياحك الدافئ، صبورًا وعجولًا إلى” الكتابة السهلة”، أكره أنْ أفسد وقت انتمائي إليك بالبلاغة.

مقالات ذات صلة

إغلاق