أدب وفنون

مراجعات نقدية لمسارات الثورة السورية

إذا كان نظام الأسد هو المسؤول الأول عن المآلات الكارثية التي وصلت إليها الأوضاع في سورية، من دمار البنية التحتية والعمرانية، وانتهاك حرية التعبير، وقتل المدنيين وتشريدهم؛ فما هي مسؤولية قوى الثورة والمعارضة عما حدث؟ سؤال شائك حاول الإجابة عنه الكاتب الفلسطيني السوري ماجد كيالي، في ندوة بعنوان (مراجعات نقدية لمسارات الثورة السورية)، أقامتها (حركة ضمير) في مقهى “سيريانا” بباريس، مساء الخامس من حزيران، بإشراف وإدارة سميح شقير وبمشاركة: حذام عدي، ناهد بدوية، برهان غليون، ميشيل كيلو ونجاتي طيارة.

في القراءة النقدية التي قدمها الكيالي، رأى أن المآل المأساوي الذي وصلت إليه الثورة، بعد سبعة أعوام من الكفاح والتضحيات الجسيمة، مرده وقوع قوى الثورة والمعارضة في أربع فرضيات خاطئة، كان أولها فرضية التدخل الخارجي الذي سينهي النظام السوري ببضعة أشهر، كما حدث في ليبيا والعراق سابقًا، فالمجتمع الدولي لن يسمح بإطلاق يد نظام الأسد لقتل الشعب السوري وتدمير البنية العمرانية والمجتمعية في سورية، ولا تكمن المشكلة في المراهنة على هذه الفرضية، إنما بما بُني عليها من سياسات، فشعار “إسقاط النظام”، وإن كان شعارًا محقًا وعادلًا، يحتاج تبنيه إلى إمكانات كبيرة، لم تكن متوفرة لدى الشارع السوري. قوى الثورة ذهبت من التظاهرة إلى العمل المسلح من دون أن تمر تدريجيًا بمرحلة إنجاز عصيان مدني شامل، والمراهنة على الخارج أسفرت عن التقليل من شأن الداخل.

الفرضية الخاطئة الأخرى هي الاعتقاد أن الثورة السورية ستنتصر حتمًا، وتحقق أهدافها بالضربة القاضية، من المرة الأولى، مع أن التاريخ يؤكد أن الثورات قد لا تنتصر، أو قد تنحرف ويجري التلاعب بها. تصوّر النصر من دون تراث نضالي، ومن دون إمكانات وكيانات سياسية ومجتمعية مهيأة لهذا الأمر، قاد قوى الثورة إلى نوع من حرق المراحل من دون مرتكزات، فلو أننا ثرنا بوتائر كفاحية أقل؛ ما كنا أعطينا النظام مبررًا لتهديم المدن وتهجير المدنيين، ومع أن انتهاج الأساليب السلمية لا تنفع لإسقاط نظام مثل النظام السوري، لكن كان ينبغي الاستمرار بالسلمية -كمرحلة أولى- من أجل حفاظ على الشعب السوري على أرضه وتهيئة البنى الاجتماعية.

أما ثالث الفرضيات الخاطئة -من وجهة نظر الكيالي- فهي المراهنة على أن العمل العسكري سيسقط النظام دونًا عن الأشكال الأخرى، وبهذا تم إلغاء دور الشعب السوري، ولم ينتقل العمل المسلح تدريجيًا من حرب العصابات إلى تحرير المناطق، وحين سيطرت الكيانات العسكرية على عدد من المناطق، لم يكن بالإمكان القول إنها مناطق محررة، فمن جهة اتبعت الفصائل المقاتلة نهج الهيمنة على المجتمعات المحلية، وفرضت عليها تصوراتها الدينية المتطرفة التي لا علاقة لها بالتدين الشعبي السوري، ومن الجهة الأخرى حوصرت تلك المناطق، وتحولت إلى حقل رماية لقوات النظام وأعوانه، بحيث أضحت قوة نابذة للسكان.

العمل العسكري يحتاج إلى مصادر تمويل وتسليح وعلاقات دولية وأمنية لتأمين الدعم اللوجستي، وهذا الوضع يجعل أيَّ ثورة مسلحة أو حركة تحرير وطنية في ارتهان ما إلى الدول الداعمة، وقد جرى التعامل بنوع من الخفة، بخصوص المراهنة على دعم دول عربية وأجنبية اعتبرت نفسها صديقة للثورة، من دون السؤال أكانت مع مقاصد الثورة أم ضدها؟ وما هي حدود تلك الدول في دعم مطالب الشعب السوري بالحرية والدولة الديمقراطية.

من جانب آخر، رأى نجاتي طيارة أن الثورة السورية تجربة استثنائية وفريدة من نوعها، ينبغي إعادة دراستها، إنها انفجار عفوي هائل، جاء تأثرًا بالربيع العربي، وردًا على ظلم تاريخي فظيع، وأضاف: كان لدينا شخصيات رائعة من النخب المثقفة والسياسية، لكننا لا نجيد العمل الجماعي نتيجة القمع وتصحير السياسة والعنف الكبير الذي زرعه النظام في داخلنا، فيما أكدت ناهد بدوية أن إنشاء كيان سياسي جامع، كتلة وطنية أو هيئة تنسيق بين القوى المختلفة للتواجد في الساحة العالمية والتعبير عن الثورة، كان حلم كل الكوادر وتوجهها منذ بداية الثورة، لكنها أخفقت في تحقيق الحلم.

نبّه برهان غليون في مداخلته إلى أن خيار العسكرة والأسلمة لم يكن خيار المعارضة، فقد تحملت الثورة عنفًا لا حدود له، وكانت كما الغريق يمد يده نحو أي شيء يمكنه تأمين النجاة. وأضاف: بعد أن فشلت المعارضة في تشكيل كيان في الداخل، استطعنا بالكثير من الجهد تشكيل “المجلس الوطني” في الخارج، لم يكن بحجم الطموح، لكن معه أصبح لدينا كيان سياسي، يعترف به العالم ويستقبله ويتواصل معه، وكان ينبغي مساعدتنا، لكن حدث العكس، أُحبطت كل المبادرات، وأُجهض هذا الكيان، كما أُجهضت الكيانات الأخرى. لقد فشل المثقفون والسياسيون وناشطو المجتمع المدني في تشكيل قيادة حقيقية للشعب السوري، ترشده وتصوب حراكه، وكان صراع المعارضة -فيما بينها- أقوى من صراعها مع النظام.

فيما رأت حذام عدي أن كل الأحزاب والقيادات السابقة للثورة، كان الزمن قد تجاوزها وانتهت صلاحيتها، ولا يجوز لأناس لا يملكون وعي اللحظة أن يتولوا قيادة الثورة، وقالت: “كنت أكرر على مسامعهم أن لا بأس في أن تفيدوا الثورة ببعض التوجيه والإرشاد، بناء على تجربتكم، لكن اتركوا الشباب الذي فجر الثورة يقودها”. كان على “المجلس الوطني” أن يتشكل من شباب الثورة، لكنهم كانوا يعملون في مجالات بعيدة عنه كالإغاثة، ولم يجر ضمهم وتمثيلهم، فيما عمل النظام على تصفيتهم، لذلك بقيت قيادة الثورة للجهلة والمشايخ.

“لم تكن ثورة، بل تمردًا اجتماعيًا هائلًا على النظام الحاكم، كان بالإمكان أن يتحول إلى ثورة، لو كانت له قيادة قادرة على أن تحشد الناس، وتوحد رؤيتهم، وتقدم لهم برنامجًا سياسيًا وتوجيهات يومية في أماكن وجودهم” قال ميشيل كيلو، واستطرد: لم يحصل هذا لأن النظام وضع في ذهنه أن هؤلاء المنتفضين مجموعة من المثقفين وطلاب الجامعة وهيئات المجتمع المدني، عبثوا بعقل المجتمع الأهلي، وأخذوه إلى فكرة الحرية، وهي ليست أيديولوجيته، وإن تم سحقهم فسيُجبر المجتمع الأهلي على بلورة قيادة محلية، تقليدية الهوى والفكر، مؤمنة بالتطييف، يمكن دفعها باتجاه التسليح، وبدأ النظام بالعمل على هذا المخطط بممارسة العنف الفظيع، وقدم صورًا وحشية لأناس يُعذبون ويُحرقون ويدفنون أحياء، وأطفال يُرمون من سطوح المنازل؛ ما دفع التمردَ الكبير الذي كان ينبغي أن يتقونن ويتنظم وتكون له قيادة، إلى أن يدخل في متاهات الفوضى والتنابذ، وسرعان ما نما بداخله تيار ضد الحرية، لا يقول إن “الشعب السوري واحد”، إنما طوائف، وما يجري هو حرب ضد السنّة، وبالتالي أصبح لدينا مشكلة حقيقية؛ إذ لا توجد ثورة في العالم يمكن أن تنتصر ببرنامجين: الأول الذي انطلقت منه، والذي ينادي بوحدة الشعب السوري، ويريد الحرية، والبرنامج الآخر الذي يقول إن الشعب السوري ليس واحدًا، والحرية كفر، ويريد دولة إسلامية. عندئذ غيّر العالم موقفه من الثورة، ولعبت التدخلات الدولية دورًا كبيرًا على هذا الصعيد، فالدول الكبرى لا تقبل أن يكون بجوار “إسرائيل” نظام ديمقراطي ولا إسلامي، والبديل هو الفوضى، والنظام السوري أسدى إليها خدمات كثيرة لتحقيق هذه المعادلة، كي يبقى في السلطة من دون بدائل لا ديمقراطية ولا إسلامية.

مع ذلك، ما تزال الفرصة سانحة أمامنا للانطلاق من جديد، وإقناع العالم بعدالة قضيتنا عبر العودة إلى مبادئ الثورة في بدايتها، ولدينا الكثير من النخب المشرذمة في كل العالم، نتيجة السنوات الماضية من التهميش والمطاردة والملاحقة، ويجب أن نعمل على إعادة اللحمة فيما بينها من دون أوهام، وعلى تحريك الفئات الوسطى التي لديها حساسية اتجاه الديمقراطية، وأدّت دورًا كبيرًا في الحراك المدني السلمي، والنضال من أجل الحرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق