هموم ثقافية

سلطات منزاحة

من بين السلطات الكثيرة التي تمارس فعلها في المجتمع، يمكن الحديث عن سلطتين منزاحتين لهما صلة بالثقافة: الأولى هي سلطة الموهبة الثقافية التي تتيح لصاحبها ممارسة تأثير خارج ميدان الثقافة، والثانية هي سلطة من يتحكمون ماديًا في المجال الثقافي من أصحاب النفوذ أو المال. في الأولى هناك رأسمال معنوي تحقق داخل المجال الثقافي يتيح لصاحبه إمكانية التأثير خارج هذا المجال ولا سيما في المجال السياسي؛ وفي الثانية هناك رأسمال مادي تحقق في السوق أو رأسمال تسلطي مستمد من السلطة السياسية، ويتيح لصاحبه الدخول إلى المجال الثقافي لممارسة الفعل أو الاستثمار فيه. على هذا؛ فإن السلطة الأولى مستمدة من الثقافة وتفعل خارجها، والسلطة الثانية مستمدة من خارج الثقافة وتدخل للفعل في مجال الثقافة. في الحالتين هناك انزياح، غير حميد غالبًا، بين مصدر السلطة ومجال تأثيرها.

يحوز المبدع الثقافي سلطة معنوية على الجمهور، بقدر ما يقدم من إنتاج متميز وما يمتلك من موهبة وقدرة ثقافية. تنبع هذه السلطة من تقدير الناس للشخص الموهوب والاستعداد الغريزي للتأثر به، ليس فقط بآرائه السياسية بل حتى بطريقته في الكلام أو في نمط الحياة. ذات يوم قال محمود درويش، في مقابلة إذاعية معه، إنه يستيقظ بمزاج عكر ولا يروق مزاجه في الصباح قبل أن يتناول بضعة فناجين من القهوة، كنا حينئذ سجناء رأي ومغرمين بمحمود درويش، تابعنا المقابلة باهتمام وبالحرف، في اليوم التالي، زاد عدد أصحاب المزاج الصباحي السيئ في المهجع. التقدير يدفع المعجبين بالشاعر إلى التماهي به، وإلى إعطاء كلامه “غير الثقافي” قيمة زائدة، وهذا يجعله ذا تأثير، أي ذا سلطة.

حين نتكلم عن سلطة هنا لا نقصد بذلك قوة تأثير الإنجاز الثقافي للشخص، بما هو إبداع أو تجديد أو تعميق معرفي، أي لا نقصد قوة تأثير المبدع الثقافي في المجال الثقافي نفسه، بل نقصد قوة تأثيره خارج حدود الثقافة، أي نتحدث عن سلطة غير ثقافية للمبدع. تنتقل هذه القوة من المجال الثقافي لتمارس فاعلية خارج إطارها الطبيعي، وغالبًا ما يكون المجال الجاذب للتأثيرات هو المجال السياسي. من المفهوم أن للفاعل الثقافي البارز (سواء أكان شاعرًا أم مفكرًا أم سينمائيًا.. الخ) جمهورًا أوسع بكثير من دائرة العارفين بإنتاجه والمدركين لقيمة إبداعه. هناك جمهور عام يعرف الاسم من الإعلام، ويتاثر بما يصدر عن صاحب الاسم، لما له من شهرة ولما له من انطباع مؤثر. بذلك يمتلك المبدع الثقافي البارز إمكانية التحول من فاعل ثقافي إلى فاعل سياسي، غير أن فاعليته الأخيرة هذه مغشوشة، لأن الرأي السياسي للمبدع الثقافي يكتسب وزنًا إضافيًا، أو ربما استثنائيًا، مستمدًا من قيمته الثقافية وليس من تراكم معرفة أو صوابية سياسية.

شكلت العبقرية الشعرية لسعيد عقل، مثلًا، رافعة لآرائه السياسية القريبة من العنصرية أو لرجعيته السياسية. كما أن القيمة الشعرية العالية لأدونيس تعطي لآرائه السياسية قوة تأثير في الجمهور، لا تتناسب مع مدى صوابيتها أو ملاءمتها.

سبق أن عبر الإمام الغزالي عن هذا القلق في “المنقذ من الضلال”، حين شكا من الدهريين والطبيعيين البارعين في الرياضيات وعلوم الطبيعة والذين يسحرون الناس ببراعتهم في هذه الميادين، فيعتقد الناس أن رأي هؤلاء في الدين، هو صواب ودقيق كمعرفتهم العلمية هذه.

السلطة المنزاحة الثانية هي سلطة من يمتلكون الوسائل المادية التي تحتاج إليها الثقافة، القدرة على النشر وإنتاج الأفلام وتأمين صالات العرض وتأمين مواد العمل في مجالات كالنحت والمسرح.. إلخ، هي سلطة القوة، سواء أكانت قوة مالية أو أمنية أو سواهما.

الخلل الأصلي الذي لا يبدو أنه يمكن الفكاك منه، هو ارتهان الإنتاج الثقافي لمالك السلطة أو لمالك القدرات المالية، أي ارتهان سلطة الإبداع لسلطة القوة. من البديهي أن الانتاج الثقافي يحتاج إلى تمويل وأن للتمويل آلية ومنطقًا مختلفًا عن آلية ومنطق الإنتاج الثقافي. في هذا يخضع الإنتاج الثقافي لمنطق غير ثقافي “تجاري” متضمن في أصل السلطة “غير الثقافية” التي تستثمر في الثقافة.

في كلتا الحالتين هناك سلطة منزاحة أو انتهاك، أي نقل قوة ناجمة في مجال، لتمارس فعلها في مجال آخر مختلف. على أن ما سبق لا يستبعد إمكانية أن تساند السلطة المنزاحة السعي التحرري في المجتمع، يمكن لصاحب السلطة الثقافية أن يوظف هذه السلطة باتجاه تحرري، ويمكن لصاحب السلطة المالية أن ينخرط في دعم مغامرة ثقافية، أي أن ينصاع المنطق التجاري للمنطق الإبداعي في لحظةٍ ما، غير أن المجتمع محكوم، في ما يبدو، بأن يحمل بصمة هذا الانزياح طويلًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق