أدب وفنون

جورج أورويل “متشردًا في باريس ولندن”

“في الوقت الحاضر، أشعر بأني لم أعرف عن البؤس إلا حافته”.

نشعر بصدى هذه الجملة في نفوسنا، ونحن نقلب رواية جورج أورويل (متشردًا في باريس ولندن) الصادرة حديثًا عن دار التكوين، والتي قام بإعداد ترجمتها الشاعر العراقي سعدي يوسف، نحو 270 صفحة توقظ الغيبوبة التي طالت حياتنا، ليصبح المشهد عاديًّا، كأن تركب سيارة أجرة، وكأنها دماء تتدفق للمرة الأولى، في تلك العوالم الخفية المجهولة التي يعيش في دهاليزها جمهور من المتشردين، الخوف من الموت جوعًا واجهة هذه النفوس، وتقنية البقاء حيًّا مع رفض الذات والمجتمع والتاريخ، هو الجوهر الذي نسير مع ضوئه، وفق خط متعرج في الانتماء إلى مذهب الرواية بين ما يشبه اليوميات والسرد وبين الحكاية والتفاصيل على لسان الأبطال، لنتكشف فلسفة المتشرد التي أحاكها وأتقنها بفعل تاريخ طويل من الرفض والنكوص والاستبعاد.

كلما زاد البؤس قلّ القلق، اختفى الشعور والتفكير بالحياة والمستقبل معًا، يقدم لنا صاحب (مزرعة الحيوانات) و”1984″، رواية أشبه بملهاة عمياء تُدرك معها أن العالم هو الأعمى والمغفل، أحيانًا تضحك من فرط اللامبالاة وأحيانًا يغصُّ الوجود كله في حلقك.

جمهورية من المتشردين بصحبة قوانينهم وتقاليدهم وصراعاتهم وأحكامهم وأسرارهم، ينتقل بنا المكان بين مدينتي باريس ولندن، وسطٌ مندمج متآلف مع أوجاعه غريب الأطوار ومنطوٍ لا يعرف عنه العامة أي ملامح خاصة.

نبدأ من باريس، في قبو فندق فخم، طبقة من الكادحين يعملون لأكثر من ثماني عشرة ساعة، وتنهب حقوقهم في ثانية واحدة.

تتوزع الأدوار والعمل والأكل وأوقات الاستراحة، لتتقن في النهاية لغة واحدة: كيف تعيش ذليلًا؟

يقول النادل في سرّه، وهو يرى رجلًا ثريًا يأكل بنهم: يومًا ما سأكون مثل ذاك الرجل.

مشاهد تفصيلية يومية من حياة غاسلي الصحون والطهاة والنادلين تحت أقبية الفنادق، لنا أن نتخيل أن العالم هناك محكوم أيضًا بالفروقات الطبقية التي قد تبدأ من الشوارب:

“فالنادلين في الفنادق الفخمة يبقون دون شوارب وغاسلي الصحون أيضًا، أما الطهاة فيحتفظون بشواربهم لإظهار احتقارهم للنادلين”.

نقود قليلة توزعها بين ثلاثة أشياء لا غير: “الشاي وقطعة خبز ومرغرين”.

“فحين يكون لديك ثلاثة فرنكات فقط فأنت غير مبال، إذ إن الفرنكات الثلاثة سوف تُطعمك حتى غد، وليس بمقدورك أن تفكر أبعد من ذلك، أنت ضجرٌ، لكنك لست بخائف”.

كيف تشكلت صورة المتشرد في أذهاننا؟

وكيف تبدو للوهلة الأولى؟

ولماذا يوجد المتشردون في هذا العالم؟

هم الذين لطالما وصِفوا بتهمٍ كالكسل والشكوى وتهربهم الدائم من العمل، لتكون الجريمة أو التسول أو السُكر بانتظارهم، أو ليغدوا كما يراهم البعض “طفيليات اجتماعية وقحة”.

يخبرنا أورويل أن المتشرد هو رهن القانون الذي جعله عاطلًا عن العمل ومتصعلكًا يعيش طيلة حياته.

يعيش ويموت محاطًا بشرور لا بدّ منها، الشر الأول هو الجوع “قدر المشردين العام”، أما الشر الثاني فهو الابتعاد والانقطاع الكامل عن عالم النساء، معظم المتشردين يعيشون حياة العزوبية دون علاقات أو زواج، فليس هناك من امرأة ترضى بأن تقيم علاقة مع متشرد أصبحت عواطفه مهترئةً كثيابه:

“إن العمل في الطوابق السفلية لا يشجع على المشاعر الرقيقة”.

أن تقرص خديك كي لا يبدو وجهك شاحبًا، قبل أن تدخل مطعمًا كي تطلب العمل، أن ترتاب من ياقتك المتسخة، أن تفرك الخبز بالثوم كي يبقى في فمك وهمٌ أنك قد أكلت منذ قليل وحسب، الثوم يفعل هذا. أن تعيش على طعام مسروق، بانتظار عمل وُعدتَ به وسعيت من أجله شهورًا، غاسل صحون في فندق وسط باريس.

حتى هذه المهنة تمر بتجارب واختبارات، شأنها شأن أي مهنة أخرى، اختبارٌ ليديك أولًا ثم لروحك، الإهانات التي تعترضك تصبح جزءًا من عملك، شتائم تسهر معك في يوم عطلتك داخل الحانات التي يسمونها “حانات السعر المحدود”، تحتفل مع أصدقاء يعرفون تلك الشتائم جيدًا وربما ألفوها أكثر منك.

“يشغل غاسل الصحون هاجس وحيد، وهو أن يقول له الجميع إنه شاطر في عمله”.

العطلة الوحيدة لرتابة الوقت هي الطرد، فيما عدا ذلك يستيقظ غاسل الصحون عند الفجر، يرتدي الثياب المتصلبة بالشحم، نوافذ باريس معتمة عدا مقاهي العمال، عدد من العوائل تنبش سلال القمامة.

الحياة النموذجية للمتشرد خلف قناع باريس، تحت أقبية فنادقها الفخمة، التي يكدح فيها مئات من العمال “كالشياطين”، حين يغدو الرضا أن تؤمن دفع إيجار الشقة ورصد مبلغ كاف للتبغ، هذا بمثابة “الرضا الذي يشعر به حيوان أُطعم جيّدًا”.

لا وقت للطموح والتفكير وسط هذا البؤس، فغاسلو الصحون لا يفكرون “هذا ترف، الحياة علمتهم أن يكونوا عبيدًا”.

النوم يحتل المرتبة الأولى في حياتهم، وليس هناك من أمر جلل يستدعي إضاعة دقيقة واحدة من أجله، حتى لو كان جريمة قتل تحدث تحت بنايتك:

“من أين لنا الإحساس بإضاعة الوقت على جريمة قتل؟”.

بعد سرد حي ومعاش وعبثي؛ يدور سؤال في ذهن القارئ قبل أن يطرحه الراوي، ما هي الأهمية الاجتماعية لغاسلي الصحون؟

ما غايتها؟

هل هذا العمل ضروري للحضارة؟

لماذا تستمر العبودية؟

“كي يأكل الناس في المطاعم الفخمة علينا أن نعمل ثمانين ساعة أسبوعيًّا في غسل الصحون”!

تقودنا صفحات من الرواية إلى مفارقة ذكية ومستمرة وحاضرة، توغل في البحث عن علاقة هذه النفوس بشخصية المثقف، عن اغتراب وغربة المثقف المصنوع من جريدة وحزب وتيار سياسي، فالجوع غير مألوف له فهو دائمًا “يتصور قطيعًا من أشباه البشر ينتظرون يوم حرية فقط، كي ينهبوا بيته ويحرقوا كتبه”.

أن تصير زبونًا بعد أن كنت عبدًا، تفصيل متقن لأحلام يتيمة تغادر غاسل صحون في باريس إلى لندن في رحلة تشرد مرة أخرى، نبصر فيها حياة أكثر عمقًا وألمًا وقسوةً، ترهن فيها ثيابك بانتظار عمل مؤجل.

الهوية الحقيقة للمتشردين نجدها في شوارع لندن، عندما تختفي من حياتك مفردة “العناوين”.

يقول بوزو، أحد رسامي الطرقات الذين يقتاتون على ما أبقته الطبيعة لهم من إنسانية: “النجوم عرض مجانيّ لرساميّ الطرقات، واستعمال العينين لتأمل النجوم لن يكلف أي شيء”.

المتشردون. عندما تغدو الركب مثل كعبي حذاء من كثرة الركوع على الأرصفة، بعد نحت هذه المأساة وتقديمها للقراء مكتوبة ومطبوعة داخل صفحات، تترددُّ جملة الصفحة الأخيرة، وكأنها تصرخ في وجه البشرية:

“لن ألتذّ بوجبة من مطعم فاخر”.

مقالات ذات صلة

إغلاق