قضايا المجتمع

الموت الأسود المنبعث من “جثة الرقة” التي لا تزال تحت الأنقاض

ينقل الأصدقاء والأهل في الرقة أن روائح الجثث ما تزال تنتشر في المحيط البعيد للنصف الغربي للمدينة خاصة، لتستقبل عاصفة من الذباب الأزرق كبير الحجم، كلَّ من يمشي على قدميه في “عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية” السابقة، وكأن مشاهد دمار البيوت، وتقطّع الطرق بين المدينة وريفها الجنوبي، بفعل تدمير الجسور على الفرات، لا يكفي من عاد إلى الرقة المدمرة، ليلاحقه شبح الموت والمرض، وقلة مياه الشرب النظيفة، والفقر المعمم، حتى بعد أن هدأت أصوات القصف، وتراجع الموت الأحمر، ليحلّ محله الموت الأسود.

في الليل، تسرح جرذان بين الخرائب، في مشهد غير مألوف في الرقة التي نعرفها بنهرها الغزير نظيف المياة نسبيًا؛ ما يعني أن فرق “الاستجابة المبكرة” تملك كل الدلائل سلفًا على وجود جثة، أو جثث، في كل بناء يحوم حوله الذباب الطنان، أو تتجول بين أنقاضه الجرذان.

العمل الذي ينتظر الفرق المختصة كبير، على الرغم من مضي ما يزيد على ثمانية أشهر، منذ إعلان هزيمة (التنظيم) وانسحاب ما تبقى منهم في المدينة تحت رعاية أميركا و(قوات سورية الديمقراطية). لكن هذه الفرق تشكو نقصَ الدعم المادي والنقص في الآليات؛ ما جعل إمكاناتها وعدد أفراد الفرق قليلًا نسبيًا، والعمل بطيئًا، نظرًا إلى حجم الدمار الهائل، خاصة في الجزء الغربي من المدينة.

مسألة وجوب إخراج الجثث لا تأتي فقط من واجب “إكرام الميت” فقط، فهي حاجة نفسية أولًا للسكان، كي ينسوا مع الوقت ما حل بهم وبذويهم وبمدينتهم. كما أن تحلل الجثث، واستمرار بقائها تنشر الروائح من تحت الأنقاض، يمكن أن يكون سببًا في انتشار أوبئة لا يستطيع أي جهاز صحي الإحاطة بها، في ظل الظروف التي تعيشها المدينة، منذ حصارها في حزيران/ يونيو من العام الماضي، ومن ثم قصفها بالطائرات والمدافع، حتى تدمير ما لا يقلّ عن ثلثي مباني المدينة. وزاد الأمرَ تفاقمًا أن معظم الأطباء والمساعدين الطبيين والممرضين والممرضات غادروا الرقة إبّان حصارها، أو ما قبل ذلك، ولم يعد إلا عدد قليل منهم إلى المدينة.

والآن، نحن في فصل الصيف، حيث بدأت درجات الحرارة بالاقتراب من معدلات تتجاوز أربعين درجة مئوية، وهي في صعود، كلما اقترب تموز/ يوليو، وآب/ أغسطس؛ ما يجعل مسألة الإسراع في استخراج الجثث ملحةً أكثر.

نقل موقع (الرقة تُذبح بصمت)، في نيسان/ أبريل الماضي، عن أحد الأطباء في المدينة، أن ترك الجثث منتشرة في شوارع المدينة، ربما يفاقم الحالة الصحية المتردية أساسًا، حيث ستتعرض تلك الجثث للتفسخ بفعل درجات الحرارة الآخذة في الارتفاع؛ “ما قد يسبب انتشارًا للأمراض والأوبئة، كالطاعون، والجمرة الخبيثة، وقد تصل إلى المياه المعدة للشرب؛ ما يسبب انتشار أمراض مستعصية”.

تقول (م. أ) إنها كانت تبحث عن بيت للإيجار، عندما وجدت لدى عودتها أن بيتهم المؤلف من طابقين مجرد أنقاض، فأشارت عليها صديقة بوجود بيت غير مدمّر في الحي الذي تسكنه، وحاولت أن تصف لها العنوان: “شفت البيت الأبيض يللي بشارعنا… البيت الأبيض اللي قلتلك بي خمس جثث… بلزقو!”. وتضيف “الآن، حتى أسراب الغربان أصبحت مشهدًا اعتياديًا في الفجر، لتدل على الخراب بنعيقها”.

تلفت (م. أ) إلى ملحوظة مفادها أن “طاقة التدمير” لا تقلّ مع طول البقاء في الرقة، وأن الصدمة ليست في أول ما تشاهده “كل ما طولت مدة بقائك بالرقة تتفاجأ بالدمار أكثر، مو تتعود عليه. يعني المرور السريع بالشوارع ما يخليك تحس بحجم الدمار، فالتفاصيل هي الأهم، وأشد صدمة”.

الثلاثاء الماضي، ضربت عاصفة مطرية المدينة ومحيطها، عند موعد الإفطار، مترافقة بالبرق والرعد الاعتيادي في مثل هذا الوقت من السنة؛ ما أثار رعب الأطفال والكبار، كظاهرة طبيعية أولًا، وثانيًا لأن العاصفة تذكرهم بأيام القصف الجوي الذي عايشوه سابقًا، من دون أن تُمحى من ذاكرتهم لحظات رعبه، بعد أكثر من سنة من آخر معايشة لهذا الطقس المرعب.

حتى نهاية نيسان/ أبريل الماضي، تمكنت فرق (الاستجابة المبكرة)، من استخراج 500 جثة فقط، بينما تلقت الفرق 114 طلبًا من أهالي ضحايا، لاستخراج ذويهم من تحت بيوتهم المدمرة، من بين ما يقدر بألفي جثة، أصحابها في عداد المفقودين، بعد أن تقطعت السبل بالعائلات التي نزحت من الرقة، قبل سنة من الآن، من دون وجود اتصالات، وقت النزوح، تؤكد لذوي المفقود مكان عيشه، أو موته على أحد طرقات الهروب نتيجة القصف الذي كان يترصد أي حركة من المدينة إلى محيطها، على اعتبار أن كل من يخرج من الرقة متهم بالانتماء إلى (تنظيم الدولة الإسلامية).

أما التحقق من هوية الجثث، فمسألة صعبة، نتيجة التحلل شبه التام لمعظم الجثث، وما لم يساعد أحد من ذوي الضحايا في التعرف عليها، من اللباس، أو علامات مميزة ما زالت باقية؛ فإن الأمل الوحيد هو تحليل الحمض النووي، وهذا غير متاح كليًا في الظروف الراهنة التي تعيشها المدينة. والنتيجة أن الجثث تُرقَّم فقط، قبل أن تُدفن في مقبرة خاصة قريبة من المدينة أُنشئت لهذا الغرض.

في تفصيل تابع، ومهم، لمأساة الجثث التي تحت الأنقاض، لا يزال (مجلس الرقة المدني) يحاول تحقيق المصطلح الأميركي “إعادة الاستقرار” في الرقة، برفع الأنقاض، وفتح الشوارع، وتأمين مياه الشرب، والكهرباء، وإصلاح شبكة الصرف الصحي. وفي تقديرات سابقة تداولتها الصحافة، قال ناطق باسم المجلس: إن “المدينة تحتاج إلى ما لا يقل عن 5.3 مليار ليرة سورية (نحو 10 ملايين دولار) سنويًا، لاستعادة الطاقة وإمدادات المياه والطرق والمدارس، خلال ما لا يقل عن ثلاث سنوات، إذا توفر هذا المال، وظلت الأوضاع مستقرة دون قتال في المدينة، أو ما حولها”.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق