تحقيقات وتقارير سياسية

الهزيمة وقطاف الأسد لها

قيل، وكُتب الكثير في هزيمة حزيران. مسارها ونتائجها، ودور الأسد فيها كوزير للدفاع وقائد للطيران والدفاع الجوي فيها، وهل كانت على صعيد الجبهة السورية الحصينة طبيعية، بمعنى أنها مطابقة للمعلن عنها، وللبيانات العسكرية التي صدرت وقتها، وكتحصيل حاصل لاختلال موازين القوى لصالح “إسرائيل”، بعد الهزيمة الصاعقة للجيش المصري، وإعلان عبد الناصر وقف إطلاق النار، وتوجّه جلّ القوات الإسرائيلية باتجاه الجبهة السورية، واختراقها في القطاع الشمالي الأكثر تحصينًا، وصولًا إلى احتلال القنيطرة، وبقية الجولان.. واستنجاد النظام في سورية لوقف إطلاق النار؟ أم أن حقائق أخرى مختلفة لعبت الدور الحاسم في تلك الهزيمة على صعيد الجبهة السورية؟

سندع جانبًا قصة الخيانة، ومنطق التواطؤ المسبق، وما يشاع عن تسليم القنيطرة مفروشة، مقابل ثمن كبير هو وصول الأسد للحكم وعديد التفسيرات، والأحكام الصادرة عن هذه القناعة والمبالغات التي تصل إلى حدود خيالية، وقصص ارتباط الأسد المسبق بالاستخبارات الأجنبية (البريطانية أو غيرها)، وبالتالي: فكل ما جرى كان جزءًا من مؤامرة محبوكة.

سنترك هذا وندخل في صميم المعطيات المعروفة، ومسارات الحرب، والبيانات الرسمية الصادرة من وزارة الدفاع، ثم الفترة اللاحقة التي فشل فيها اقتراح تبديل القيادة العسكرية، وظهور تكتل عسكري يقوده الأسد.

1 – كان واضحًا أن الوعي السائد لدى القيادة البعثية عن تحرير فلسطين، وموازين القوى في كل جانب، لم يكن واقعيًا، وكان يتسم بالاندفاع والشعارية والعاطفية، فقد عبّئت الناس على أساس أن تحرير فلسطين ممكن وقادم، وأن خططًا كبيرة موضوعة للصمود والقتال وحرب الشعب، والكفاح المسلح، وأن دخول مصر الحرب إلى جانب سورية سيكون حاسمًا في إنهاء كيان الاغتصاب، ثم أثبتت الوقائع الجهل الكبير بقوة العدو، ومستوى تحالفاته مع أميركا، وميزان القوى العربي الذي لا يصل إلى مستوى ما يملكه العدو من أسلحة وخطط وعلاقات دولية، وأن انهيار الجبهة المصرية المفاجئ كان كالزلزال المدمر للمعنويات.

2 – عمليًا، لم يقاتل الجيش السوري بالحد الأدنى المطلوب، خلافًا للشعارات المرفوعة، وللبيانات العسكرية التي اتسمت بالمبالغة والكذب، فقد جرى اختراق الجبهة السورية في أهم مناطقها تحصينًا -القطاع الشمالي- فحدثت فوضى عارمة، وهرب قائد اللواء تاركًا جنوده يواجهون وضعًا مرتبكًا.

3 – كان “بيان إذاعة احتلال القنيطرة”، قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها، والتقدّم بشكوى رسمية لمجلس الأمن، فضيحة الفضائح، وقد قيل الكثير رسميًا وفي الكواليس عن حيثيات البيان، والمسؤول عنه، والذي يدلل، في أحسن حالات التبرير، أنه نتاج الفوضى العارمة في وزارة الدفاع، ووجود فجوة كبيرة بينها وبين ما يجري على الأرض، خاصة مع هيئة الأركان التي تمثل القيادة الميدانية، والتي كان رئيسها في الجبهة، ولم يعلم بالخبر إلا من وسائل الإعلام.

4 – إن قرار الانسحاب الكيفي بتلك الطريقة والحالة كان شيئًا غريبًا في عالم الحروب، والخطط العسكرية، حيث لا يتمّ اللجوء إلى قرار كهذا إلا في حالات الهزيمة الشاملة، والانهيار التام للجيش، بينما لم تكن الوقائع على الأرض تستدعي مثل ذلك القرار، إضافة إلى مخالفته للشعارات المرفوعة عن المقاومة المستمرة، وللاستراتيجية العسكرية التي تقتضي، مثلًا، في حالات كهذي، الانتقال إلى خطّ الدفاع الثاني، والثالث، وفق خطط مسبقة، وبطريقة منظمة، وليس عبر انسحاب كيفي أدّى إلى فوضى عارمة.

5 – قصة “الهجوم المعاكس” الذي تقرر تنفيذه ليلة التاسع – العاشر من حزيران/ يوليو، وتحرّك اللواء 70 (أكبر وأقوى الألوية) بقيادة المرحوم عزت جديد، وبعض الوحدات العسكرية الأخرى، ووصوله شبه سالم إلى أحراش القنيطرة، ثم إبلاغه من قبل وزير الدفاع بإيقاف الهجوم، وأن ذلك القرار صادر عن القيادة السياسية – العسكرية التي كانت مكلفة بإدارة المعركة.

حصلت الهزيمة النكراء، والشاملة، وكان يجب محاسبة المتخاذلين واتخاذ إجراءات جوهرية، وعلى رأس ذلك تغيير القيادة العسكرية مباشرة، كونها المسؤول الأول والمباشر عن الهزيمة، وهي وزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان، وقد طُرح اقتراح بذلك في “الاجتماع المشترك للقيادتين القومية والقطرية” بعيد الهزيمة، وسقط الاقتراح عند التصويت بصوت واحد؛ الأمر الذي أثار زوبعة من التفسيرات المتناقضة، حيث جرت العادة في مثل هذه الأوضاع، ولحالات أقل أهمية وشأنًا، أن يجري تحضير الأجواء لإنجاح القرار بتأمين عدد الأصوات اللازم للقرار، وهو الأمر الذي لم يحدث، بما فتح المجال لتأويلات ملتبسة حتى داخل أوساط القيادة نفسها، وفي الأجواء الحزبية التي كانت مثقلة بالهزيمة، وتتعرّض لموجات قوية من الأخبار والشائعات، ومنها الموضوع الطائفي، بينما وردت تفسيرات متعددة عن فشل القرار لأسباب تعود إلى مواقف عاطفية وتبريرية عن أهمية وحدة القيادة بكل صفوفها، وتضامنها مع بعضها، ورفض تحميل القيادة العسكرية مسؤولية متميزة عن مسؤولية الآخرين… إلخ.

لكن الحقيقة الأكبر أن الأسد، بدءًا من ذلك الاجتماع، راح يكتل حوله مجموعة من الضباط ليستقوي بهم، وفيهم كثير من المتخاذلين والمطلوب محاسبتهم، أو من الغاضبين على القيادة وخطها، وسلوكها ليصبح خلال أشهر قليلة قوة منافسة، وقد برز هذا التكتل في المؤتمر القطري الرابع -أيلول 1968- وعمله على طرح برنامج مغاير للقيادة، والتبشير بأفكار كانت تعتبر تراجعًا عن السائد المقرّ في مؤتمرات الحزب، وصولًا إلى تشكيل حالة موازية فيما يعرف بالازدواجية، فالانقلاب الأبيض الذي قاده، في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، والمرسّم في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر باسم الحركة التصحيحية، عبر البيان الذي كرّس الأسد حاكمًا للبلد، واعتقال القيادة لما يقرب الربع قرن، ودخول سورية مرحلة جديدة أطلق عليها: مرحلة الارتداد، توافقًا مع ما حدث في مصر، بعد الرحيل المفاجئ للزعيم عبد الناصر.

يمكن الحديث المطول عن تركيبة الأسد وطبيعته، بخبثه وباطنيته، بحقده وفرديته، وتأكيد عدد ممن يعرفونه مذ كان شابًا أنه كان يطمح للوصول إلى أعلى المواقع، وأنه كان يعدّ نفسه لذلك عبر سلوك خبيث يتستر بالمسكنة، وحتى السذاجة، ومزيد الالتزام بالحزب وحبه له، بينما كشفت سنوات حكمه المديد أنه دكتاتوري من طراز خاص، وأن الحكم غاية الغايات التي يمارس في سبيله كل شيء، وأولها المقايضات بجميع القضايا الوطنية والقومية، واللعب بالطائفية وموضعتها، وبالبنية الاجتماعية وإعادة تفكيكها وتركيبها بما يتوافق وتحقيق أهدافه، وأن الحزب مطيّة، والناس عبيد يجب تطويعهم، والتوريث كاشف.

يمكن القول أيضًا إن نتائج الهزيمة فعلت فعلها الداخلي، فكان الأسد الطاغية نتاجها، وكانت سورية، كما هي فلسطين، وعموم القضايا العربية ضحيتها.

الهزيمة مستمرة، والمشروع النهضوي الذي كان يعاني إشكالاته الداخلية تمّت هزيمته فعلًا في حزيران؛ لتسود القطرية، والأحادية، والخواء العربي، وغياب أي مشروع عربي ولو بالحدود الدنيا، وكانت “إسرائيل” المستفيد الأكبر.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق