تحقيقات وتقارير سياسية

بعد عشرة أيام من الاحتجاجات هل تتحول تظاهرات الرقة إلى حراك؟

دخلت مدينة الرقة وريفها القريب منعطفًا أمنيًا وسياسيًا غير مسبوق، بعد عشرة أيام من بدء الاحتجاجات التي جاءت نتيجة تراكم ممارسات عنفية ضد السكان العائدين إلى بقايا مدينتهم المدمرة، تمثلت في الاعتقالات والضرب والسحل وعمليات القتل والسرقة اليومية، إضافة إلى الانعدام شبه الكلي للخدمات الأساسية، وتفشي الفساد والمحسوبية في المكاتب والإدارات التي تديرها الميليشيات الكردية.

بدأت الاحتجاجات مساء يوم 27 أيار/ مايو الماضي، عندما حاولت دورية، مما يُسمى “الشرطة العسكرية” التابعة لـ “وحدات حماية الشعب” الكردية، اعتقالَ أحد قادة لواء ثوار الرقة من منزله في حارة “الرميلة”؛ ما أدى إلى حدوث انتفاضة شعبية وتبادل إطلاق النار، اضطر دورية الشرطة العسكرية إلى الانسحاب. لكن شرارة الرميلة انتقلت إلى معظم أرجاء المدينة المأهولة، كما انتقلت لاحقًا إلى الأرياف القريبة منها؛ حيث تكثر التظاهرات الصغيرة، وتظهر كتابات على الجدران بشعارات موحدة تقريبًا، أكثرها تكرارًا: “الرقة حرة حرة، والـ (بي كي كي) يطلع برا”. ومما قد يزيد الأمور حدة وتصعيدًا، خلال الأيام القليلة القادمة، سياسة التجنيد الإلزامي التي بدأت الميليشيات الكردية تطبيقها في المنطقة، والرفض العام للسكان لها.

في مواجهة تلك الاحتجاجات، عمدت الميليشيات الكردية إلى استقدام قوات من الطبقة ودير الزور. كما نفذت عدة عمليات إطلاق للنار وعمليات حصار ومداهمات وهمية، في مزارع “حطين” و”يعرب” و”القحطانية” و”الأسدية”، حيث كتب شبّان من تلك المناطق على الجدران عبارات شبيهة بتلك التي كُتبت في شوارع الرقة. كما أجرت هذه الميليشيات استعراضًا للقوة، ليلة أمس الأول، إذ أغلقت الحارات الواقعة في مركز المدينة -وهي حارات خالية كليًا تقريبًا من السكان، نظرًا إلى شدة الدمار الحاصل فيها بعد معارك طرد تنظيم (داعش) منها- ثم سمع سكان المدينة لساعات أصوات إطلاق نار وتفجيرات؛ وفي هذه الأثناء، أشاعت الوحدات الكردية أن مجموعة من عناصر تنظيم (داعش) تسللت إلى هذه المنطقة، وأن الاشتباك مع هذه المجموعة أدّى إلى مقتل ثلاثة من أعضائها وفرار آخرين، حسب ما أشاعت الميليشيات في اليوم التالي.

لكن الحصيلة النهائية والغريبة لساعات من إطلاق النار -تبين أنه من طرف الميليشيات وحدها- هي مصرع شخص واحد من منتسبي هذه الميليشيات، وما هو أشد غرابة أنه من عناصر (داعش) السابقين، الذين تحولوا إلى العمل في صفوف “وحدات حماية الشعب” الكردية منذ بضعة أشهر.

وكانت الميليشيات قد أشاعت قبل ذلك بيومين خبرًا مفاده أنها اعتقلت أحمد العلوش، المعروف بـ “أبو عيسى”، قائد لواء (ثوار الرقة)، بالتوازي مع اعتقالها بالفعل لـ ياسر أحمد الحميدي، المُلقب بـ “أبو عمار”، أحد قادة لواء (ثوار الرقة)، في منطقة تل أبيض، بعد أن أطلق أحد حواجز الميليشيات النارَ على سيارته وأصاب شقيقته.

في مواجهة حرب الإشاعات هذه تداول ناشطو الرقة على وسائل التواصل الاجتماعي، مساء أمس، توضيحًا وتحليلًا لما أسموه One Man Show قامت به الميليشيات الكردية في الليلة الفائتة، في مركز مدينة الرقة، ووصفوه بـ “الكذبة الرقيعة”، التي تريد هذه الميليشيات من ورائها تحقيق ثلاثة أهداف هي “إرهاب سكان الرقة بعد احتجاجاتهم المتواصلة… وإيصال رسالة إلى الأميركيين مفادها أن ميليشياهم هي الشريك المضمون لمحاربة (داعش)… وخلط الأوراق من أجل ضرب أي حراك ضدها، وربما خطوة في مقاتلة لواء ثوار الرقة”.

يستبشر أبناء الرقة في الداخل والخارج بإمكان أن تتحول الاحتجاجات والتظاهرات إلى حراك سياسي مستديم يعيد إلى الرقة صوتها بعد سنوات من غيابه، سواء بفعل سيطرة تنظيم (داعش) الإرهابي بين العامين 2013 و2017 أم بفعل تحول السيطرة إلى الميليشيات الكردية، في أواخر العام 2017.

مقالات ذات صلة

إغلاق