أدب وفنون

كاتبة كويتية ترمي المستنقع الذكوري بحجر الرواية

ثمة كُتب يكبر معها كتابها، وأخرى يكبر معها النسيان. وفي الخليج -كما في كل الدول العربية- ثمة الكثير من الكتاب والكاتبات، هذه الصفة حازها كل من امتهن الكتابة! فكانوا على هامش الإنشاء، وليس في متن الإبداع.

أما الذين تاقت أرواحهم إلى حرية الرأي والنقد؛ وكانت كرامة الإنسان هاجسهم، ولم يكن لديهم من سلاح سوى الكلمات، فإن تلك الكلمات قد وضعتهم في مواجهة المجتمع، وورثة المقدس دينيًا، والمدنس سياسيًا، والملوث اجتماعيًا؛ فكانوا أول الضحايا وآخر الأنبياء!! منهم الروائية الكويتية بثينة العيسى. تلك الكاتبة التي تجيء من كل الجهات، وقد نسيت معها الأفكارُ سنّ اليأس.

بثينة التي أدركت بحسها العفوي أن مبالغات المجاز لم تعد مجدية، فأعادت لكف الرواية أصابع الأسئلة، ورسمت في روايتها معالم حياة (الحرملك)، ليس في الزمن العثماني -ما توحي الكلمة- بل في العصر الحديث!

“كنتُ طفلة في طور النضج، ولذا ينبغي عليه -وهو الأخ الأكبر المسلط على حياتي مثل لعنة- أن يحضّرني للقيام بدوري (السماوي) في هذا العالم. أن يجعل مني زوجة صالحة، ودودًا ولودًا؛ تنجب المزيد والمزيد من الأطفال، بنيات يرتدين الحجاب منذ الرابعة، ويتبعنني كالكتاكيت المصبوغة، وأولاد يذهبون إلى مخيمات (براعم النور) و(السراج المنير) يتباكون على سقوط الأندلس، يفتحون الفتوحات الوهمية، وينتظرون تلك اللحظة -التي ستكون وبالًا على العالم- عندما تؤول إليهم السلطة، لكي يمعنوا في تدمير كل شيء”.

هذا ليس كلامًا يمكن للناقد متابعته، ووضعه في ميزان السرد، إنه صورة بانورامية لحال المجتمع العربي، والإسلامي على وجه الخصوص، وبهذا الكلام المثقل بواقعيته، يمكن أن يستعين علم الاجتماع، لمعرفة البيئة الحاضنة للتخلف والتطرف، ويمكن لعلم التاريخ أن يتجاوز شاهقات العمران، ويدخل البيوت، ليقرأ معالم الخراب القادم، ويمكن -أيضًا- لعلم الفقه أن يتبصر بتلك القشور التي أصبحت عقدة وعقيدة.

فالأخ الأكبر في جمهورية جورج أورويل هاجسه دنيوي، بيد أن جمهورية الأخ الكبير في رواية بثينة العيسى هاجسه آخروي، وفي كلا الهاجسين الأصل في الأمور المنع، والإباحة هي استثناء.

“دفعني إلى الدرجات؛ نزولًا إلى الكابوس؛ القاني على السرير؛ صفعني بنعاله؛ شن غارة على دفاتري؛ وأقلامي؛ وضعها في كيس بلاستيكي أسود وصعد بها. أقام محرقة في الحوش؛ أحرق ماركيز؛ ودستوفيسكي؛ ونجيب محفوظ؛ المتنبي والمعري؛ محمود درويش ومظفر النواب؛ حكم عليهم بالموت حرقًا بتهمة الهرطقة”.

وما زلنا نتساءل: لماذا لم تأخذ المرأة دورها المأمول في الحياة، إلى جانب الرجل، في بلادنا؟!

في الطرف الآخر من المعادلة، ثمة نزوع إنساني نحو الحرية، نحو الحياة، وقد عرفته (فاطمة) بطلة الرواية، ووجدت الطريق إليه؛ لا بل سارت فيه أيضًا، سارت فيه وهي مثقلة بأوجاعها، سارت فيه بنفس مرضوضة، فتعثرت مسيرتها كثيرًا.

“لقد تعرضت للوأد بشكل منهجي، وعندما انتشلت نفسي من الحفرة وخرجت، اكتشفت أنني لم أعد قادرة على السعادة. لقد تم تفريغي من قدرتي على الحب، والمنح؛ والحياة. لقد جففوا أنوثتي. إنني لا شيء”.

في هذه الرواية، الكثير من المقاطع التي تصلح للاستشهاد بها. مقاطع أخشى أن يوقظ صوتها العالي ألم اللواتي لم تندمل جراحهن بعد. جراح تمتد من رغبتهن في الحياة، إلى رغبتهن في التعبير عنها.

“عندما أكتب أكون أنا. لماذا تريد أن تأخذ ذلك مني؟

– أنا لم أمنعكِ.. لا مانع بأن تكتبي في إطار الضوابط التي وضعتها لك.

– الضوابط بأن تبقى نصوصي في أدراجي، ودفاتري!!

– نحن نعيش في بلد صغير، وأنتِ تعرفين كيف يتلقى الناس أمرًا كهذا..

– لا أحد يتسامح مع الجمال.

– ما هذا الهراء؟

– تتسامحون مع القبح، مع ضرب الأطفال، واغتصاب النساء، مع الشتم واللعن، مع العنف المنزلي، مع العنصرية، تتسامحون مع إسرائيل، مع أميركا، مع طائفيتكم، مع فساد الحكومة، مع زواج القاصرات، تتسامحون مع هراء العالم كله، ولكنكم لا تتسامحون مع قصيدة”.

لست ناقدًا بالمعنى المهني لتلك الصفة، إلا أن هذه الرواية ملأت أيام وحدتي في بيروت بأسئلة ما زالت تقض مضاجعي، ومن المؤسف أن تلك الأسئلة ما زالت تتسول الأجوبة في الشارع العربي للثقافة! وما زال شباك التذاكر لمعرض الكتاب في كل العواصم العربية، يسجل أعلى نسبة بيع لتلك الكتب التي توقفت عند القرن الرابع الهجري!

الجدير بالذكر أن بثينة وائل العيسى، من مواليد 1982، ماجستير في إدارة الأعمال/ جامعة الكويت.

صدرت لها روايات: (ارتطام.. لم يسمع له دوي)، (سعار)، (عروس المطر)، (تحت أقدام الأمهات)، (عائشة تنزل إلى العالم السفلي)، (قيس وليلى والذئب) مجموعة نصوص.

مقالات ذات صلة

إغلاق