أدب وفنون

مـن سـيرة الكـلاب

أنا لست كاتبًا كبيرًا أو مشهورًا يا سيدي، ولكني سأحدثك عن نفسي كثيرًا، فربما تقتنع بعد ذلك بنشر كتابي الذي أقدمه لك الآن، لقد نجحت في أن أكون رجلًا منبوذًا من الجميع، أصدقائي الذين “سقطوا في الزمن”، لم ينتبهوا بعد إلى اسمي! لقد صدقوا أني سأنجح -فعلًا- في إضافة حرف جديد إلى الأبجدية، وأغير نظام المجرات، ثم أعود إليهم يومًا وأنقذهم من رتابة اليومي، لم ينتبهوا إلى هذا الألم الذي يرافقني، ولا إلى أقراص الدواء التي هجرتها، تلك الأقراص الملقاة على طاولة كسيحة في غرفتي الأكثر حرارة من القبر.
تقول لي صبية تدهن فخذها بعطر الحبق:
– أنت، سأعرفك يومًا.
كان يحركها الفضول لا أكثر.
يسألني غريب في حانة أقدم من الإله التوحيدي:
– من أنت؟
كان محفوفًا بالسؤال العدمي لا غير، ولم أكن أعرف حينئذ أنه رجل أمن.
أما أنا، فأكاد لم أعرفني بعد، وأكاد أعلن حربًا ضدي أيضًا، ولم أبرأ إطلاقًا من سلطة الأسئلة.
لقد صرت رجلًا همجيًا يا سيدي، فوضويًا، كل المحيطين بي جعلت منهم أعداء! وعن حاجتي إلى امرأة عابرة، عاهرة، مومس تفتض بكارة الزمن صرت طائرًا “مكاء”، مثلي كمثل الجاهلية، هناك في الغابر من الوقت؛ حيث تُخْمَشُ صرة السماء بحثًا عن الماء.
قلت مرة:
– محمد البوعزيزي، أول ممثل في العالم يجسد محرقة طائر الفينيق، على ركح الثورات.
قلت قبل تلك المرة:
– الوطن، مرحاض تتناسل فيه بكتيريا الأصوليات المعاصرة.
وها أنا الآن رجل منبوذ بإطلاق! الذين حرضوني كثيرًا على خلع بوابة الآلهة، هم الآن أول من يسحب خنجره، كي يمنعني من الدخول إلى تخوم مدنها.
الذين طلبوا دمي، بناء على حاجة الصليب، هم الآن أبعد من يهوذا، لقد سرقوا الصليب نفسه، الصليب الذي رأيته الليلة الفارطة، يباع في المزاد العلني، لهذا جعلت من دمي بَوْلًا.
الذين طلبوا لحمي كانوا يعرفون جيدًا أني رجل نحيل، لا فائدة مني، لم أكن أعرف حينذاك أن رحلتهم كانت في اتجاه الصحراء، وعظامي التي صارت مزامير في أفواههم سمعت موسيقاها بالأمس، وكان لحمي جيفة كلب.
قلت حين صرت منبوذًا:
– أنا رجل بلا فائدة، بلا طموح.
قد أصلح، يومًا، لأكون عرسًا ميتافيزيقيا، يقدم فيه القاتل أول الناس قربًا إلي: هو لن يعرف أنه مثلي أتى من العدم، ولكنه “سقط في الزمن” قبلي، ولهذا أنا لست منبوذًا، أنا رب، أنا تبر، أنا أيقونة، أنا…؟ أنا لا شيء ولا شيء ولا شيء، لكني متعب على أي حال، متعب لأني بلا أنبياء، وأكره أن يكون لي أتباع، ثم إني أعيش في غرفة لا تصلح إلا لوحش آدمي! وعليه، لا يروق لي إطلاقًا العودة إلى أقراص الدواء تلك.
ها أنك تعود إلي بعد غياب طويل، ولكن اسمح لي أيها الناشر، فأنت رجل وضيع بشكل لا يطاق، كتابي الذي أخذته مني منذ سنوات لم ينشر بعد، وهذا سلوك يدل على أني سأجد مبررًا مقنعًا، كي أشطب كتابي الثاني وأتخلى عن كتابة الثالث، لقد كان رامبو على حق، حين اعتزل كتابة الشعر، ومات معطوبًا من قدميه، مذبوحًا بمزمار فكرته، أما سلفادور دالي فقد اختار فاشية الجنرال فرانكو، بينما ظل الوضيع أندريه بروتون مهمومًا بسلطويته السوريالية، ضد مؤتمر خاركوف الستاليني، حين خانه لويس أراغون، وفي المقابل بعد أن انتحر ماياكوفسكي إزاء الخواء الشيوعي، على مرأى الحقير فيدني كانت حبيبته إلزا تبيع نهدها بالمجان. أنت لا تعرف هذا الجحيم يا سيدي الناشر، بينما أتأكد أن كتابي لن ينشر، وأنك لست خائفًا مني، فليس لي أجرة لص من رجال القانون، كي أحرجك باتفاقنا المكتوب، وهذا أمر لن أفعله إطلاقًا. ثم ما فائدة أن ينشر لي كتاب، وأدعو الجميع إلى حفلة توقيع؟ هل سيغيّر هذا الأمر من نظام المجرات في هذا الكون الرمادي؟
أنا لا أعتقد ذلك، يا أيها الناشر؛ إذ لم تكن تعرف أن تلك المومس التي جندتك ضدي، توسلت لي ذات ليل وهي على صدري، كي أكتب مقالاتها جميعًا، ها أنك تُباهي بها في المعارض الدولية، يا لك من مسكين، تظن أني غاضب أو حزين من ذلك؟ حسنًا، لقد كنت حينها على وشك الموت من شدة الجوع، لذلك، لم أستثن عشبة الخلود من كل آلام الكتاب الكبار، وأحذفها من أرطال الورق المكتوبة برجس سمسرة النقاد حول آيات الشعراء، يا سيدي الناشر. أعرف أيها الانتهازي الكلب، أنك تبحث في الأسواق، عن مصدر إلى بورصات لا أستطيع نتيجة فقري أن أتخيل حصادها، ولكني سأسلمك كتابي مجانًا، وربما ينشر باسمك أيضًا، ليست هزيمة هذه، ولكنك تعرف أني الآن أحتاج إلى رغيف خبز لا أكثر.
ها أنا أجيبك الآن بعد أن تواصلت معي أخيرًا، لم يعد ثمة ما يدعوني إلى الغضب أيها الناشر، فكتابي الذي كنت تراجعه، أخبرتني امرأة عابرة أنك التجأت إليه، كي تمسح بأوراقه دم بكارتها حين أسكرك كثيرًا، أجل لقد فعلت ذلك بعد أن كان حمام بيتك خاليًا من المناديل الورقية، وهذا أمر طبيعي جدا بالنسبة إلى كل ناشر مثلك. يا لهذا العار الذي أشعر به، بعد اعتقادي أن كتابي كان سيرعبك، سيدخلك مناطق الهوس والجنون، قارات بعيدة خلف محيطات بلا عقل، يسيجها شوك من الجنون المشتهى. تلك المرأة، يا سيدي الكلب، لم تعد لك، ولا لأولئك الحمقى من المثقفين. قد ينتابك بعض الغضب حين تظن أنها صارت لي، وهذا سلوك نفسي يجعلني أصفك بالرجل الإرهابي، وعليه، أنا هنا لأريحك، هي لا تعرفني، ولكن الصدفة أخذتها إلي، كَأَنْ تقول بأنها بلا مأوى، ولكنها -يا لخستك- كانت أكثر نبلًا من قذارة سيدنا الرئيس، ذلك الذي يتوضأ بالدم. حين كنت تجهز نفسك للسفر، كي تشارك في ملتقى دولي حول أسواق الرقيق الثقافي، كنتُ حينها مهووسًا بمتابعة نشرة الأخبار في إحدى الحانات، كنت أنتظر أن تتبدل الأحوال علني أظفر بوظيفة ما، ولكنها صادفتني فجأة في شارع نسيت اسمه، وهذا أمر طبيعي فقد كنت حينها مخمورًا.
– أنت صديق ذلك الناشر؟
سألتني.
كان على وجهها أمارات الضحية، أنت تعتقد ذلك، ومع هذا بدت شرسة، غاضبة إلى درجة أن طفلها الذي قتلته في أحشائها تحول إلى رصاصة.
– أنا من سيرفعك صليبًا.
لم تفهم عبارتي تلك، ولكنها بضرب من الحدس ارتبكت، ولما أجهشت بالبكاء؛ عرفت أنك قطعت أوصالها. في آخر الليل وهي تبحث عن سيجارة أخيرة في أرجاء غرفتي، قدمت لي تلك الأوراق، كتابي الذي من أجله طرحت العالم جانبًا: ثمة في الصفحة الأولى قطرة دم، وفي الصفحة العشرين أكثر من قطرة، أما الإهداء الذي كنت قد كتبته كالآتي:
– إلى أخي، وحيدًا في القبر، يتطاول على الرب ويسأل عن عشبة جلجامش.
فقد رسمت عليه وردة من دمها، تقول بنهاية بكارتها، بنهاية ابنها فيما بعد، بشغفك المر إلى القتل وإلى فراغ حمام بيتك من المناديل الورقية. أنا لم أعد غاضبًا منك أيها الناشر، ولست حزينًا أبدًا لأن كتابي الذي روعك لن ينشر، ولأنك عدت الآن تسألني عن تلك المرأة التي غابت عنك، فاسمح لي بكل لطف إعلامك بموتها، لقد انتحرت يوم أمس، رمت بجسدها أمام القطار كي تطعم الكلاب مثلك، وهذا كل ما في الأمر، من أشياء تحدث يوميًا في هذا العالم.

مقالات ذات صلة

إغلاق