تحقيقات وتقارير سياسية

عن الخامس من حزيران السوري

تحل ذكرى نكسة أو هزيمة النظام العربي، في الخامس من حزيران/ يونيو كل عام، ذكرى لم تتبدل فيها الظروف، إلا من حيث اتساع رقعتها، وبروز شعاراتها المتغيرة، من “لا صلح لا اعتراف لا تطبيع”، إلى كل شيء ما عدا “لاءات” قمة الخرطوم الشهيرة، ومن بين هذه الذكرى وشعاراتها، نستذكر أيام حزيران السورية، أو نكسات مزمنة لازمت تاريخنا المعاصر في الثورة السورية.

لم يكن من قبيل الحلم أو الصدفة أو المزايدة أو التلويح للمساومة أو الخداع والمراوغة، إلى آخر تلك الدوافع غير الموضوعية، أن يقدم السوريون جوابًا لتجاوز الهزيمة منذ خمسة عقود، وما الثورة إلا محاولة للخروج المنطقي من قدَر الهزيمة المرتبط بإقامة الاستبداد الأبدي.

بدا للكثيرين، في أعقاب نكسة العام 67، أنّ مكان الديمقراطية والحرية والمواطنة قد أخلي للأبد، وحلّ محله الطغيان والفساد وأنظمة الشعارات المتهالكة، وقد عمّ هذا المنطق في عموم الجمهوريات العربية، غير أن منطقه السوري كان مختلفًا في فداحة الإقامة الأبدية للطغيان، وما أُسس منذ ذلك الحين من ممارسات فاق أثر النكسة والهزيمة مئات المرات، ورسّخ فيها القبول المبدئي للدخول في دورة “أبد الأسديين”. لا يمكن العزل بين دورة القبول ومصدر ونشأة الهزيمة سوريًا، بأن يحلّ محلها حكمٌ فاسد وقاتل، فرض سطوته الشخصية، بقوة الأمن والسلاح، على مفاصل المجتمع الذي من المفترض أن يعاد بناؤه للرد على الهزيمة.

ومن حيث أراد “الأسديون” المهزومون، محاصرة أي ردة فعل في أعقاب الهزيمة، برزت قضايا داخل مجتمع السوريين وقضايا متعلقة بسياسات النظام، طوال العقود الخمسة الماضية، وتحديدًا في سنوات الثورة السورية، كما لم تبرز من قبل طوال السنوات الماضية، ثبت فيها أن سنوات النضال لم تذهب هدرًا، وبات واضحًا للجميع “محورية” الثورة السورية، كرد على الهزيمة التي يراد لها إقامة أبدية، في النضال السوري والعربي كله. هذا ما تؤشر إليه تطورات الثورة وانكشافاتها المذهلة على المستوى الدولي: النكسة المستمرة لم تحدث من دون حكم الأسديين، ولم تستمر لولا فضلهم الكبير، على ما تفضحه صراحة تل أبيب وموسكو، فضلًا عن فصاحة “رامي مخلوف” المبكرة.

يسعى نظام الأسديين لتجديد نكسة الخامس من حزيران/ يونيو، مع هزيمة الثورة والسيطرة العسكرية، بإنعاش مختلف طوال أعوام الثورة السبعة، ولفك ارتباط المجتمع السوري بمطالبه في الحرية والكرامة والمواطنة، آملًا من وراء ذلك أن يؤدي إلى إرساء وإرسال تفاهمات مشتركة مع المحتل الذي فرض الهزيمة على نظامٍ، يستمر في خدمة ورعاية الهزيمة لنصف قرن.

الحلّ المطروح، من وجهة نظر الأسديين المهزومين، منذ نصف قرن حتى اليوم، والجديد في صياغته روسيًا وإقليميًا وإسرائيليًا، ليس جديدًا في جوهره، بل في شكله وإخراجه، فلم يحدث، طوال نصف قرن من النكسة التي أحدثها العدو في مجتمعات عربية، أن تقضي هزائم جديدة على حلولٍ توجب التسليم بأبد الطاغية والمحتل في آن معًا.

الجديد الذي تطرحه “نكسة” السوريين في شكلها الحالي، هو منهجها المختلف، فإذا كان نصف قرن قد أنتج أدب الهزيمة وشعرها وروايتها، فإن جديدها هو خذلان للسوريين بهذه المعاني، وإذا شئنا الدقة فإن معظم العناوين السياسية والثقافية والأدبية قدّمت خذلانًا وفاجعة كبيرة حلّت بظهر الشعب السوري، من قبيل التسليم بالقدر والتلعثم بالبدائل، وما إلى ذلك من ترهات الزعم بضياع سورية التي حوّلها الأسديون المهزومون إلى حطام تحته ركام جثث وحضارة، في تعبير عن أقسى أنواع الهزائم.

والجديد أيضًا أن تسويق الهزيمة، بروايةٍ تعود إلى قرن الشعارات والحكايات الأسطورية عن “الأب” الطاغية والمنقذ المجرم، لن يُفلح في إزالة آثار جرائمه، يدرك ذلك من يساعد الأسد الصغير في تقديم روايته للسيطرة، وفرض هزيمة جديدة على المجتمع السوري، لكن أهمية هذا المقياس أن زئبقه تلاشى مع أول شهيد في سورية ومع آخر معتقل ينتظر نحبَه، ومع ملايين المقهورين في أصقاع الأرض، الذين ليس أمامهم إلا رفض الامتثال لحزيران جديد وهزيمة أخرى، ليصبحوا “مواطنين صالحين”، في كنف أسديين سُجلت هزيمتهم منذ نصف قرن.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق