هموم ثقافية

الإحباط ليس قدرًا… “سمير قصير”

– صباح الثاني من حزيران/ يونيو 2005

ساريات البيوت العتيقة الناعسة، المتكئة على كتفي بردى الخجول، تئن من برد ذاك الصباح ورطوبته الصيفية، عصافير الدوري الشقيّة تتقمص دور الشواهين، تنقضّ على أحجار دروب حواري دمشق القديمة توقظها قبل أن تطأها قدماي.

كيف تعلّمت جوقة العصافير تلك حرفة التمثيل؟!

من نسي كفّ يده الصغيرة السمينة معلقة على باب منزله من الخارج، سيتذكرها عندما يجلس ليشرب قهوته بعد قليل؟

تبًا للمسرح، ولمن سيعمل في المسرح بعد الآن.

تعثّرت، يبدو أن هذا الحجر لم يستيقظ بعد، لم تصله غارات الشواهين حتى الآن.

درج القيمرية أسود، لماذا! وكل الجدران المحيطة به بيضاء؟

هل افتتح الوليد بن عبد الملك الجامع الكبير، كما تُدشّن الصروح هذه الأيام؟! من أين دخَله؟ من بابه الشرقي هذا، أم من بابه الغربي؟ هل قص شريط الحرير بالمقص أم قطعه بالسيف؟!

انتهى هذا قراري القطعي، هذه آخر مسرحية سأعمل فيها.

كيف استطاعت هذه الحافلة السياحية الطويلة الضخمة الوصول إلى هنا؟ سائقو هذه الحافلات مَهَرَة فعلًا، هل كانت “بوسطة” عين الرمانة بهذا الطول!

فرح أبو محمود، عربة الكعك بالحليب حجبتها الملاءات السوداء.

كل الجرائم الجنائية السياسية التي تحدث في سورية أو في لبنان، تتوجه أصابع الاتهام -حال وقوعها- إلى النظام السوري أو “إسرائيل”! ما هذا المشترك الغريب بين غريبين؟

“حدا بيعمل بروفا الساعة تماني الصبح؟!”

سوق الحميدية أرحب، أطول وأعرض وأكثر اسودادًا في هذا الوقت من اليوم.

كان تجار الحريقة وصناعيو شارع الملك فيصل يُسقطون حكومة ويُنصّبون حكومة، في أقل من أسبوع، يُخرجون سورية من تحالف ويدخلونها في آخر، وكان هنري كيسنجر يتعلم فكّ الحرف آنذاك! ولم تكن قد ولدت بعد سرايا الدفاع، ولا الجبهة الوطنية التقدمية.

تبًا، لماذا بنوا مسرح القباني هنا؟ لمَ ليس في حارة الرجل مثلًا!؟ أو قرب دكان جده، هناك أقرب.

أخيرًا، هذه علامة وصولك إلى المسرح، الصورة المعلقة كشبه الجملة في فراغ صفحة سوداء، للنجم/ الطبل، الذي لم يعرف من أبي خليل إلا اسمه.

– صباح الخير.

– صباح النور.

– آسف على التأخير.

– “ليش هيك؟ كمان اجيت مشي؟”

– “أي مشان أقدر أرجع راكب”.

– “خرا عالمسرح”.

– “أكيد، والتوبة عاد بيكفي”.

شاي… بروفا، شاي… بروفاا. شاي شاي، بروفااااا.

فجأة اقتحم طبل/ نجم آخر المكان، دخل علينا كالفاتح المدجّج بكل أسباب التفاهة، والغباء، والحقد: “مبروك مبروك مبروك مبروك”. لم يكتفِ بالمباركات اللفظية بل تابع دبيبه حتى صافح كل من في المكان، وهو يردد نشيده المكرر.

خيرًا! قالها المخرج بخجل “الله يبارك فيك، بس على شو أستاذ؟”.

بعد أن جلس في الكرسي الأول أمام الخشبة مباشرة، وفي الوسط، تنهّد مرتاحًا وتمطّى ثم قال مبتهجًا: سمير قصير طار، طار بالهوا.

تقلصت صالة القباني، وانكمشت مثل كيس بلاستيكي أسود رمي في النار، لانت خشبة المسرح مثل لوح شوكولا أسود، بدأ يذوب فوق لسان كلب أسود. إني أغرق في بحرها الدبِق السميك الرخو الأسود الآن، غُصت فيها، ابتلعتني ببطء. تجلّت أمامي ملاءات السائحات السوداء، درج القيمرية الأسود، سوق الحميدية الذي يزداد سوادًا في الصباح.

…. “ما أحلم به بسيط بساطة الإيمان بالغد، ما أحلم به بلادٌ تنهل من اختلافاتها، لتحولها مصدر قوة وتماسك، بلاد متحررة من قيود الأنانيات الطائفية والعائلية، دولة تكون ملك المواطنين جميعًا؛ المواطنين وحدهم، محصّنة بقضاء مستقل، وبتمثيل شعبي لا يرقى اليه الشك. دولة لا تحبسها الطائفية ولا المحسوبيات. مجتمع لا تقيّد حركته ولاءات مفروضة، ولا يحرس انقساماته عسس المخابرات، مجتمع يضمن تكافؤ الفرص، حريته ثقافة ديمقراطية تستعيد زخمها لتساهم في تجديد الديمقراطية العربية، ثقافة تنحاز لتحرر فلسطين، ولا تخشى حرية سورية ولا العراق. ورشة وطنية للبحث في مستقبل العربي. قضاء متحرّر من التدخلات السياسية والمخابراتية. حكومة تجتمع فيها قدرة تمثيل مختلف الفئات، وصفات أخلاقية جمهورية لا يرقى إليها الشك”.

صفق الطبل النجم بقوة ونهق كالجحش: “الله يا أستاذ الله، شو هالأداء!!، شوها الكلام الجواهر، شو هالإلقاء!!، هذا المونولوج أنت كاتبو؟!”.

لاا، هذا بعض حلم للرجل الذي تُبارك لنا مقتله الآن، هذا سمير قصير الفلسطيني السوري اللبناني الذي كتب في رسالة إلى صديقه المؤرخ والباحث السوري فاروق مردم بيك قال في ختامها: “شعبك عظيم يا أخي”. هو الذي قال: “ديمقراطية سورية شرط لاستقلال لبنان”.

ظل باب صالة مسرح القباني يجدّف في الهواء طويلًا مذعورًا، علّه يطرد ما ترك النجم/ الطبل خلفه من أثر رائحة ظله الثقيل.

خرجت استنشق بعض الشمس، كنت أجرّ حزني ويأسي في البهو الطويل، عندما سدّت طريقي ابتسامة أبو خليل القباني، حسبي أنه همس لي: ولا تنس أيضًا أنه قال: “الإحباط ليس قدرًا”.

رحل سمير قصير، عندما كانت عصافير الدوري تلعب دور الشواهين، في دروب دمشق القديمة.

– صباح الثاني من حزيران/ يونيو 2005

ساريات البيوت العتيقة الناعسة، المتكئة على كتفي بردى الخجول، تئن من برد ذاك الصباح ورطوبته الصيفية، عصافير الدوري الشقيّة تتقمص دور الشواهين، تنقضّ على أحجار دروب حواري دمشق القديمة توقظها قبل أن تطأها قدماي.

كيف تعلّمت جوقة العصافير تلك حرفة التمثيل؟!

من نسي كفّ يده الصغيرة السمينة معلقة على باب منزله من الخارج، سيتذكرها عندما يجلس ليشرب قهوته بعد قليل؟

تبًا للمسرح، ولمن سيعمل في المسرح بعد الآن.

تعثّرت، يبدو أن هذا الحجر لم يستيقظ بعد، لم تصله غارات الشواهين حتى الآن.

درج القيمرية أسود، لماذا! وكل الجدران المحيطة به بيضاء؟

هل افتتح الوليد بن عبد الملك الجامع الكبير، كما تُدشّن الصروح هذه الأيام؟! من أين دخَله؟ من بابه الشرقي هذا، أم من بابه الغربي؟ هل قص شريط الحرير بالمقص أم قطعه بالسيف؟!

انتهى هذا قراري القطعي، هذه آخر مسرحية سأعمل فيها.

كيف استطاعت هذه الحافلة السياحية الطويلة الضخمة الوصول إلى هنا؟ سائقو هذه الحافلات مَهَرَة فعلًا، هل كانت “بوسطة” عين الرمانة بهذا الطول!

فرح أبو محمود، عربة الكعك بالحليب حجبتها الملاءات السوداء.

كل الجرائم الجنائية السياسية التي تحدث في سورية أو في لبنان، تتوجه أصابع الاتهام -حال وقوعها- إلى النظام السوري أو “إسرائيل”! ما هذا المشترك الغريب بين غريبين؟

“حدا بيعمل بروفا الساعة تماني الصبح؟!”

سوق الحميدية أرحب، أطول وأعرض وأكثر اسودادًا في هذا الوقت من اليوم.

كان تجار الحريقة وصناعيو شارع الملك فيصل يُسقطون حكومة ويُنصّبون حكومة، في أقل من أسبوع، يُخرجون سورية من تحالف ويدخلونها في آخر، وكان هنري كيسنجر يتعلم فكّ الحرف آنذاك! ولم تكن قد ولدت بعد سرايا الدفاع، ولا الجبهة الوطنية التقدمية.

تبًا، لماذا بنوا مسرح القباني هنا؟ لمَ ليس في حارة الرجل مثلًا!؟ أو قرب دكان جده، هناك أقرب.

أخيرًا، هذه علامة وصولك إلى المسرح، الصورة المعلقة كشبه الجملة في فراغ صفحة سوداء، للنجم/ الطبل، الذي لم يعرف من أبي خليل إلا اسمه.

– صباح الخير.

– صباح النور.

– آسف على التأخير.

– “ليش هيك؟ كمان اجيت مشي؟”

– “أي مشان أقدر أرجع راكب”.

– “خرا عالمسرح”.

– “أكيد، والتوبة عاد بيكفي”.

شاي… بروفا، شاي… بروفاا. شاي شاي، بروفااااا.

فجأة اقتحم طبل/ نجم آخر المكان، دخل علينا كالفاتح المدجّج بكل أسباب التفاهة، والغباء، والحقد: “مبروك مبروك مبروك مبروك”. لم يكتفِ بالمباركات اللفظية بل تابع دبيبه حتى صافح كل من في المكان، وهو يردد نشيده المكرر.

خيرًا! قالها المخرج بخجل “الله يبارك فيك، بس على شو أستاذ؟”.

بعد أن جلس في الكرسي الأول أمام الخشبة مباشرة، وفي الوسط، تنهّد مرتاحًا وتمطّى ثم قال مبتهجًا: سمير قصير طار، طار بالهوا.

تقلصت صالة القباني، وانكمشت مثل كيس بلاستيكي أسود رمي في النار، لانت خشبة المسرح مثل لوح شوكولا أسود، بدأ يذوب فوق لسان كلب أسود. إني أغرق في بحرها الدبِق السميك الرخو الأسود الآن، غُصت فيها، ابتلعتني ببطء. تجلّت أمامي ملاءات السائحات السوداء، درج القيمرية الأسود، سوق الحميدية الذي يزداد سوادًا في الصباح.

…. “ما أحلم به بسيط بساطة الإيمان بالغد، ما أحلم به بلادٌ تنهل من اختلافاتها، لتحولها مصدر قوة وتماسك، بلاد متحررة من قيود الأنانيات الطائفية والعائلية، دولة تكون ملك المواطنين جميعًا؛ المواطنين وحدهم، محصّنة بقضاء مستقل، وبتمثيل شعبي لا يرقى اليه الشك. دولة لا تحبسها الطائفية ولا المحسوبيات. مجتمع لا تقيّد حركته ولاءات مفروضة، ولا يحرس انقساماته عسس المخابرات، مجتمع يضمن تكافؤ الفرص، حريته ثقافة ديمقراطية تستعيد زخمها لتساهم في تجديد الديمقراطية العربية، ثقافة تنحاز لتحرر فلسطين، ولا تخشى حرية سورية ولا العراق. ورشة وطنية للبحث في مستقبل العربي. قضاء متحرّر من التدخلات السياسية والمخابراتية. حكومة تجتمع فيها قدرة تمثيل مختلف الفئات، وصفات أخلاقية جمهورية لا يرقى إليها الشك”.

صفق الطبل النجم بقوة ونهق كالجحش: “الله يا أستاذ الله، شو هالأداء!!، شوها الكلام الجواهر، شو هالإلقاء!!، هذا المونولوج أنت كاتبو؟!”.

لاا، هذا بعض حلم للرجل الذي تُبارك لنا مقتله الآن، هذا سمير قصير الفلسطيني السوري اللبناني الذي كتب في رسالة إلى صديقه المؤرخ والباحث السوري فاروق مردم بيك قال في ختامها: “شعبك عظيم يا أخي”. هو الذي قال: “ديمقراطية سورية شرط لاستقلال لبنان”.

ظل باب صالة مسرح القباني يجدّف في الهواء طويلًا مذعورًا، علّه يطرد ما ترك النجم/ الطبل خلفه من أثر رائحة ظله الثقيل.

خرجت استنشق بعض الشمس، كنت أجرّ حزني ويأسي في البهو الطويل، عندما سدّت طريقي ابتسامة أبو خليل القباني، حسبي أنه همس لي: ولا تنس أيضًا أنه قال: “الإحباط ليس قدرًا”.

رحل سمير قصير، عندما كانت عصافير الدوري تلعب دور الشواهين، في دروب دمشق القديمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق