أدب وفنون

سعد الله ونوس، مبدع لم يعرف الراحة

كان الكاتب المسرحي سعد الله ونوس جاري، في منطقة مساكن برزة شرقي مدينة دمشق، ولم يكن يفصلني عن شقته البسيطة أكثر من مئتي متر؛ مع ذلك لم يتسنَّ لنا أن نلتقي بشكل مباشر ومطوَّل، سوى مرة واحدة وأخيرة، حين زرته لأطمئن إلى صحته، وأرى إمكانية إجراء حوارٍ تلفزيوني معه. لكن ذلك بدا مستحيلًا، فقد كان المرض الذي هاجم بلعومه قبل خمس سنوات، قد استفحل في جسده النحيل، وأعلن انتصاره على رجل كانت تحتاج إليه جموع السوريين والعرب، ليبث فيهم روح الأمل، وهم يمورون بالغضب على مستبديهم، في تلك الفترة من عام 1997. أوليس هو القائل: إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ؟ كنت هناك في مسرح الحمراء الدمشقي، حين رددها بصوته المبحوح، أثناء قراءته لرسالة يوم المسرح العالمي التي كلفه بكتابتها المعهد الدولي للمسرح، التابع لمنظمة (يونسكو) الأممية، في احتفالية عام 1996، تلك الرسالة التي تُرجمت إلى لغات العديد من بلدان العالم، وقرئت على مسارحها.

كانت الصالة مكتظة حد الاختناق، وكيف لا تكون كذلك وسعد الله هناك، يرتل آخر ما فكر فيه لشعبه وبلده وللإنسان أينما كان؟ وبالتأكيد لم يكن الحضور في تلك الأمسية جمهوره كله، بل بعض عشاق فنه الذي انتشر في أوساط المثقفين والفنانين وطلبة الجامعات أولًا، ثم راح يغزو عامة الشعب، بعد ما غدا صوتهم الشجاع، في المسرح على وجه الخصوص. ذلك الصوت الذي كان صدًى لتلك البيئة الريفية الفقيرة التي نشأ فيها، وكان لها الفضل الأكبر على إنتاجه المسرحي الغزير، تأليفًا وترجمةً ومقالات نقدية. فقد ولد في قرية حصين البحر القريبة من مدينة اللاذقية عام 1941، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرستها، ثم تابع دراسته الإعدادية والثانوية في مدينة طرطوس.

كان أول كتاب اقتناه، وهو في الثانية عشرة من عمره، (دمعة وابتسامة) لـ جبران خليل جبران، ثم قرأ لكل من طه حسين وعباس محمود العقاد وميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، وغيرهم.

في 1959 سافر إلى القاهرة، وكانت آنذاك عاصمة الجمهورية العربية المتحدة التي تضم مصر وسورية، في منحة دراسية للحصول على ليسانس الصحافة، من كلية الآداب بجامعة القاهرة. وأثناء دراسته، وقع الانقلاب الذي أدى إلى الانفصال بين الدولتين، فأحدثت تلك الواقعة هزة عميقة في شخصيته، وأدت به إلى الاعتكاف وكتابة أولى مسرحياته في العام نفسه: 1961، التي لم تنشر حتى الآن، وكانت بعنوان (الحياة أبدًا). وفي 1962 نشر في مجلة (الآداب) مقالًا حول الوحدة والانفصال، وكذلك عدة مقالات في جريدة (النصر) الدمشقية، إبّان حقبة الانفصال. ثم حصل عام 1963 على ليسانس في الصحافة، وخلال فترة دراسته أعدَّ دراسة نقدية مطولة عن رواية (السأم) لألبرتو مورافيا، ونشرها في (مجلة الآداب). وفي المجلة نفسها نشر مسرحيته (ميدوزا تحدق في الحياة)، ثم عاد إلى دمشق ليعمل في وزارة الثقافة. وكان عام 1964عامًا أغنى فيه سعد الله ونوس مكتبة المسرح العربي بثلاث مسرحيات قصيرة، نشرها في مجلة (الآداب) البيروتية ومجلة (الموقف العربي) بدمشق، وهي مسرحية (فصد الدم) و(جثة على الرصيف) و(مأساة بائع الدبس الفقير) إضافة إلى العديد من المقالات والمراجعات النقدية. وفي عام 1965 صدرت أول مجموعة من مسرحياته القصيرة عن وزارة الثقافة بعنوان (حكايا جوقة التماثيل) وقد ضمت المجموعة (لعبة الدبابيس)، و(جثة على الرصيف)، و(الجراد)، و(المقهى الزجاجية)، و(الرسول المجهول في مأتم أنتيجونا). وفي عام 1966 حصل ونوس على إجازة دراسية من وزارة الثقافة، سافر خلالها إلى باريس، ليطلع على الحياة الثقافية هناك ويدرس المسرح الأوروبي، وكان أن حدثت نكسة حزيران عام 1967 التي أصابته بحزن شديد خاصة وهو بعيد عن وطنه، فكتب مسرحيته الشهيرة (حفلة سمر من أجل خمسة حزيران) ثم مسرحية (عندما يلعب الرجال)، وتم نشرهما في مجلة (المعرفة).. وفي نهاية ذلك العام، عاد إلى دمشق حيث عهدت وزارة الثقافة إليه تنظيم مهرجان دمشق المسرحي الأول، وقدّم من خلاله أول عرض مسرحي من تأليفه: مسرحية (الفيل يا ملك الزمان)، كما تم عرض مسرحية ثانية له من إخراج رفيق الصبان، واسمها (مأساة بائع الدبس الفقير). وفي عام 1970 أصدر بيانات لمسرح عربي جديد، واختتم العام بنشر مسرحيته (مغامرة رأس المملوك جابر).

في 1972 كتب مسرحيته الشهيرة (سهرة مع أبي خليل القباني)، وفي عام 1976 ترجم كتاب (حول التقاليد المسرحية) لـ جان فيلار، وأعد (توراندوت) عن مسرحية لـ بريخت تحمل العنوان نفسه، وترجم وأعد (يوميات مجنون) لـ جوجول. بعدها حصل على منصب مدير المسرح التجريبي في مسرح القباني؛ حيث كان عليه أن يؤسس هذا المسرح ويضع برنامجه.

عام 1977 نشر في ملحق الثورة الثقافي، في عددين، مسرحية (الملك هو الملك) التي أخرجها -فيما بعد- المخرج المصري مراد منير، وعرضها في القاهرة ودمشق؛ حيث حضر ونوس العرض في دمشق، وهو يعاني من السرطان الذي قضى عليه عام 1997. وكان الراحل ونوس قد أنجز، خلال التسعينيات من القرن الماضي، مجموعة من المسرحيات السياسية، بدءًا بمسرحية (الاغتصاب) 1990، و(منمنمات تاريخية) 1994، و(طقوس الإشارات والتحولات) 1994، و(أحلام شقية) 1995، (يوم من زماننا) 1995، وأخيرًا (ملحمة السراب) 1996، و(بلاد أضيق من الحب) 1996.

ومن الملفت المفجع اضطرار عائلة المسرحي السوري سعد الله ونوس، إلى إهداء مكتبته إلى الجامعة الأميركية، بعد سنوات من رفض مؤسسات النظام الثقافية قبولها، كتبرع من العائلة، وأوضحت العائلة هذا الأمر في بيانٍ لها: حاولنا منذ سنوات عدة التبرع بمكتبة سعد الله ونوس إلى أكثر، وربما كل، المؤسسات الثقافية في دمشق، كي يبقى إرث سعد الله في سورية. لكن رغبتنا العميقة قوبلت بالرفض من قبل جميع القيمين على هذه المؤسسات، بمختلف المستويات.

من أقوال سعد الله ونوس: “كم مرّةً هزمتنا الخيانة دون قتال!”. و”ما من ملك يتخلى عن عرشه إلا اقتلاعًا”.

وهكذا رحل رجل المسرح المبدع سعد الله ونوس، في 15 أيار/ مايو 1997، مخلفًا إرثًا كبيرًا من المسرحيات والروايات والقصص القصيرة التي ترجم كثير منها إلى عدة لغات حول العالم.

مقالات ذات صلة

إغلاق