قضايا المجتمع

بانتظار اليوم التالي.. لقد طفح الكيل

تُقرّ الأطراف الفاعلة، بعدم وجود حلّ عسكري للحرب الدائرة في سورية، وبضرورة إعادة إطلاق عملية سياسية جدية ذات مغزى وشاملة، تتبناها الأمم المتحدة. لكن بقليل من الشعور بالندم، وأقلّ منه بالمساءلة، تستمر الأطراف ذاتها في تجاهل سيرة الأسد المرعبة، وانتهاكه قواعد وقوانين الحرب؛ حيث تعمد قواته منذ سنوات إلى استهداف المدارس والمستشفيات، وتدمير البنى التحتية المدنية، وحصار السكان، وارتكاب الإبادة الجماعية، كوسيلة أسرع في تنظيف الأرض من حواضن المعارضة.

في إطار هذا التجاهل، تواصلت الكارثة، وتمخضت حتى الآن -بحسب المعلومات المتوفرة- عن أكثر من 700 ألف قتيل، و5.6 مليون لاجئ، و13 مليون شخص يحتاج إلى المساعدة والحماية، وعدد غير معروف، لكنه يقدر بعشرات الآلاف، من المُغيبين قسرًا داخل أقبية الموت. هذه الأرقام وغيرها التي كان من المفترض أن تحرك ضمير العالم، من أجل وقف المذبحة، لم تعد ذات معنى، وأصبحت -على ما يبدو- غير مهمة ليس فقط لأطراف اللعبة، بل حتى بالنسبة إلى من يدير من قصر المهاجرين دفةَ الموت دون رحمة.

يشكو السوريون، في ظل استمرار هذا التجاهل، من معاناة مزدوجة، أقضّت مضاجعهم: طرفها الأول الأسد، وطرفها الثاني الدول المعنية بملف الصراع. ولطالما أثارت لا مبالاة المجتمع الدولي في إدارة الأزمة، قلَق الذين يتعرضون للموت في كل يوم، من مستقبل غامض، ومن غياب موضوع العدالة الانتقالية. ومن الطرح الضبابي للمرحلة السياسية القادمة، التي ما تزال تخضع لتجاذبات دولية، من بينها رغبة الأسد وقوى مساندة له في رسم معالمها، بخلاف ما يتطلع إليه معظم سكان البلاد.

يضع إرث الأسد الراهن بين أيدينا حقائق مروّعة، لا يمكن تجاهلها؛ فعلاوة على حرب الإبادة التي أودت بحياة مئات آلاف المدنيين، دفعت المخاطر مئات آلاف العائلات أيضًا إلى ترك منازلها ومناطقها، وتخطي الحدود الدولية هربًا من الموت. وتشير تقديرات، أعلنها المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غ أرندي، إلى أن عدد أفرادها أصبحوا يشكلون ربع اللاجئين في العالم. ويضيف: “أصبح ربع الشعب السوري لاجئًا، ولا يوجد بين جميع حالات الطوارئ الإنسانية التي تواجهها الأمم المتحدة ما يتطابق مع الأزمة السورية، من حيث الحجم أو ضخامة الاحتياجات”.

علينا، في سياق تجاهل العالم لهذا التوحش، أن نضم صوتنا إلى صوت جوليت توما، مديرة الإعلام في مكتب (يونيسف) الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونتساءل معها: ماذا بعد؟ لقد دُمّرت أوجه الحياة، وتقطعت أوصال البلاد، وفقد الاقتصاد موارده، وأتخمت الأنقاض بالموتى، وبقي النظام البوليسي واجهة معلنة لبلدٍ لا يعرف حرية التعبير، والرأي الآخر، والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

تعترف توما: “انتظرنا كثيرًا -كعاملين في المجال الإنساني- وأُصبنا بالإنهاك جميعًا، لكن هذا الإنهاك لا يقارن أبدًا، بما أصاب مئات الآلاف والملايين من السوريين الذين يعانون في صمت”.

تغيب هذه الحقائق عما يتم تداوله في المناقشات الجارية، حول اليوم التالي المفترض بعد انتهاء الحرب، سواء في أستانا أو جنيف؛ فرؤية بعض الأطراف الدولية، للحل، ما زالت تدور وتلف ضمن حلقة مفرغة، يصعب أن تفضي نتائجها إلى حلّ عادل ودائم، طالما أن الانتقال السياسي ما زال خارج إطار البحث، بضغط أطراف فاعلة تمسك بملف الصراع.

إن نجاح أي تسوية يتوقف على تحييد آلة الحرب، وتعزيز أجواء التهدئة، كمقدمة لا بدّ منها في الطريق إلى عملية سياسية فعالة، يمكن لها أن تضع نهاية مستدامة للحرب. لكن الذين وضعوا أنفسهم أوصياء على الشعب السوري، لا يريدون الاقتناع بذلك، وبدلًا من معالجة جوهر القضية، ينظر العالم إلى المأساة، أو يتعاطى مع تداعياتها، وكأنها أزمة إنسانية لا غير، أزمة لاجئين ضعفاء شرّدتهم الحرب، وهم بحاجة إلى مساعدات غير محدودة، تدعم حياتهم، وتخفف من وطأة تحديات لا يملكون القدرة على مواجهتها.

في مؤتمر بروكسل الثاني الذي عُقد في 24 و25 نيسان/ أبريل، بحضور نحو 85 بلدًا، التزم الجميع بدعم حل سياسي للحرب الدائرة منذ سبع سنوات. ومن المعروف أن النيّات الطيبة على الدوام لا تصنع حلًا من دون آليات محددة وملزمة؛ حيث جرى التركيز على الجانب الإنساني، بالرغم من أهميته، بخلاف الجانب المتعلق بمصير نظام الأسد، وقُدّمت مساعدات بنحو 3.5 مليار يورو لعام 2020، إضافة إلى تعهدات متعددة السنوات، بقيمة 2.7 مليار يورو لفترة 2019 من أصل مبلغ إجمالي يقدر بنحو 6.2 مليار يورو، قال كريستوس ستايليانيدس، المفوض الأوروبي المكلف بالمساعدات الإنسانية ومجابهة الأزمات: “إن العالم التزم به”.

عشية انتهاء أعمال المؤتمر، سجلت تسع منظمات دولية، ملاحظات مهمة، تتعلق بهشاشة متوقعة للمستقبل، في ظل افتقار الدعم السياسي والإنساني إلى آليات قوية، تضمن ترجمة الالتزامات إلى عمل. ودعت السياسيين في سياق ملاحظاتها إلى تقدیم دعمھم، لا تعاطفھم مع الشعب السوري؛ “فالمدنیون يتحملون وطأة العنف المستمر، والھجمات على المستشفیات والمدارس. كما يجب إعادة التأكید أن عودتهم إلى داخل البلاد أمر غیر ممكن، طالما لم یتم الوفاء بالشروط اللازمة لعودة آمنة وكریمة وطوعیة”. كما رحبت بحقیقة أن “المؤتمر قد اعترف بأن إعادة الإعمار لم تكن مناسبة، أو ممكنة حتى الآن داخل سوریة، طالما استمر الصراع، ولم یتم التوصل إلى حل شامل”.

بالنسبة إلى آثام الحرب، وشرورها، ومظالمها، فقد طفح الكيل. أجل.. تقول هنريتا فور، المديرة التنفيذية لـ (يونيسف)، “ولم تعد المساعدات الإنسانية هي الحل، لأن المطلوب في الحقيقة هو الحماية والسلام”.

مقالات ذات صلة

إغلاق