أدب وفنون

ميلان كونديرا الروائي المختلف

قامة روائية شغلت الأوساط الأدبية، في العقود الأخيرة من القرن العشرين وما بعدها، وتخاطفت الصحف والمجلات في شتى اللغات أقواله وأخباره، وقدمت كتابات مستفيضة ومتقصّية عن رواياته وفلسفته، رغم تمنّعه عن الصحافة واتفاقه مع فلوبير بقوله: “حياة الإنسان الخاصة كما صورته لا ينتميان إلى الجمهور”، فهو رغب في أن “يلغى ككائن بشري ويزال من التاريخ، ولا يبقى فوقها أي أثر سوى كتبه”، ويوضح كونديرا في “الوصايا المجانية” مهمته: “أن أكون روائيًا هو أكثر من مجرد ممارسة نوع أدبي، إنه موقف، حكمة، موقف ينفي أي تماثل مع السياسة مع أيّ أيديولوجية، أي أخلاق، أي شراكة، إنها لا تماثل واع، عنيد، ساخط، ليس هروبًا أو استكانة، بل مقاومة وتحد وثورة، من أبرز رواياته (المزحة) نشرت  1965، (فالس الوداع) 1971، (الضحك والنسيان) 1978، (كائن لا تحتمل خفته) 1981، (الخلود والبطء)، وآخرها (حفلة التفاهة) 2014، وفي فلسفته للتفاهة نجد هذا المقطع: “التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود، إنها معنا على الدوام في كل مكان، إنها حاضرة حتى في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك الدامية، في أسوأ المصائب، التفاهة يجب أن نحبها، وأن نتعلم حبها”. وقد ترجمت معظم أعماله التي كتبها باللغتين الفرنسية والتشيكية، إلى العربية وكل اللغات الحية الأخرى.

تعريف بالشخصية:

ميلان كونديرا كاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشيكية، ولد عام 1929 لوالده لودفيك كونديرا (رئيس جامعة جانكيك للآداب والموسيقى ببرنو)، درس علم الموسيقى والسينما والأدب وتخرج في العام 1952، وعمل أستاذًا مساعدًا ومحاضرًا في كليَّة السينما في أكاديمية براغ للفنون التمثيلية. التحق بالحزب الشيوعي عام 1948 وفصل منه عام 1950 ثم عاد إليه عام 1956، وفصل ثانية عام 1970، بسبب ميوله الفردية، وقد شكلت هذه العلاقة المضطربة بالشيوعية وتداعياتها مدخلًا مهمًا لفهم عالم كونديرا الروائي، إذ ظلّ مهجوسًا بـ “عقدة” النظام الشمولي، التي راح يفككها في رواياته، معمّقًا دراسته للذات الإنسانية، في حال خضوعها لسيطرة الأنظمة الشمولية، وطرح ما يصاحب هذه اللحظة الحرجة من أسئلة الوجود والعدم بطريقة ساخرة، وراح يبحث عن البدايات التافهة لهذه اللحظة في تاريخ هذه الأنظمة، لأن هذه البدايات التافهة، ما هي إلا اللحظات الأكثر جوهرية في التاريخ.

اضطر ميلان كونديرا إلى الهجرة إلى فرنسا عام 1975، بعد الغزو السوفييتي 1968 لتشيكوسلوفاكيا، وتسريحه من وظيفته بسبب انخراطه في ربيع براغ، إلى جانب فاتسلاف هافل، وقد منعت كتبه من التداول مدة خمس سنوات، حصل على الجنسية الفرنسية 1981، بعد إسقاط الجنسية التشيكية عنه 1978، بسبب كتابه (الضحك والنسيان)، ثم كتب (كائن لا تحتمل خفته) التي جعلته كاتبًا عالميًا، وذلك لما في الرواية من تأملات فلسفية تندرج في فكرة العود الأبدي لـ نيتشه.

حدّت عقدة الأنظمة الشمولية التي تكررت في رواياته بالفيلسوف هارولد بلوم ليقول عنه: إنه “كاتب أعمال مرحلية يزداد اتصاله باللحظة تهافتًا”، وفي قول لا يخلو من التهكّم، يتابع: إنّ “لحظة براغ” ولّت و”ما عاد الشباب ينزحون مع كونديرا إلى العاصمة التشيكية حاملين حقائبهم على ظهورهم”. وقد كان الفيلسوف محقًا؛ إذ حتى في آخر رواياته (حفلة التفاهة) الصادرة 2014 لم يتخلّص كونديرا من عقدة ستالين والشرطة السرية إبان الاحتلال الروسي لبراغ؛ لأنه لم يستطع أن يغفر لهذه اللحظة تشوهها الذي أحدثته.

عالم كونديرا الروائي:

هكذا يطرح كونديرا فلسفته يقول بما معناه: “وحدها الأسئلة الساذجة التي تبقى بدون جواب هي الأسئلة المهمة فعلًا، إن أسئلة بلا جواب حاجز لا طرقات بعده، أو الأسئلة التي تظلّ بلا جواب هي التي تشير إلى حدود الإمكانات البشرية، وهي التي ترسم وجودنا”. ثم يدعونا إلى أسئلته الحرجة: “تخيّل أنك عشت في عالم ليس فيه مرايا، هل كنت ستحلم بوجهك، وتتخيله كانعكاس خارجي لما هو في داخلك، ثم افرض أنهم وضعوا أمامك مرآة وأنت في الأربعين، تخيّل جزعك، كنت سترى وجهًا غريبًا تمامًا. وكنت ستفهم بصورة جلية ما ترفض الإقرار به: “وجهك ليس أنت!” وباعتبار أن الرواية عنده هي مغامرة اكتشاف الآفاق القصية والمجهولة، التي لا يمكن لأي جنس آخر من الأدب أن يكتشفها، لذا كانت الرواية، التي لا تكشف جزءًا مما لا يزال غامضًا أو مجهولًا “رواية لا أخلاقية”، حسب تقديره، والمعرفة التي يريد للرواية أن تقدمها ذات شقين متكاملين، أولهما المعرفة العلمية بالموضع الذي تهدف الرواية إلى إنارته، وثانيهما، الخبرة والإحاطة بفنيات هذا الجنس الأدبي وطبيعته ومختلف أدواره وتطوراته، وكونديرا لم يرسم في رواياته خطًا دقيقًا فاصلًا، بين حدود الخير والشر، ولم يهدف له، لأنه يرى أنّ “روح الرواية هي روح التعقيد”، والرواية الناجحة برأيه هي التي تقول لنا “إن الأشياء أكثر تعقيدًا مما نظنّ”. أما تلك الروايات التي تدّعي أنّ أنها تقول الحقيقة وحدها، فما هي إلا روايات “ما وراء تاريخ الرواية” أو هي الروايات التي تثبت إمكانية موت هذا الجنس الأدبي، بينما الرواية الحقيقية، هي التي لا تستنفذ إمكاناتها وتظلّ قادرة على الحفاظ على روح “اللايقين” الذي يحفظ لها تمايزها، ومشروعية وجودها المرهون بقدرتها على قول ما لا تستطيعه الأيديولوجيا ولا الفلسفة ولا العلوم، وأنّ على الكاتب واجب إنارتها، وفعل الإنارة عنده، ليس ذاك الفعل التبسيطي، الذي يذهب إلى الشرح والتفسير وتفصيل المجمل، بل إنه مغامرة المعرفة المعقدة، التي تقود إلى مزيد من “التأمل الاستجوابي” والتأمّل الاستجوابي، هو ما يستجوّب السؤال الوجودي محاولًا الإجابة عليه، في فصول “منسقة بمعمار حساس وموزون برهافة موسيقية”، وحيث يمثل هذا السؤال الثيمة، التي يجب على القارئ اكتشافها، قبل أن تنزلق الفصول من بين يديه ويضيع الإيقاع”، وباعتبار أنّ فحص الوجود، لا يعني فحص الواقع، إذ ليس الوجود برأيه ما جرى، بل هو حقل الإمكانات الإنسانية، كل ما يمكن للإنسان أن يصيره، وما هو قادرٌ عليه “إذن؛ فنحن هنا لسنا في مواجهة واقعٍ موازٍ، أو مشابه في مكانٍ أو زمانٍ آخر، إنه مجرَّد اختبار لإمكانات وجودية في حقل احتمالاتٍ واسع، لا أحد يستطيع البتَّ بوجوب وجوده، ومن هنا لا يجب التعامل مع الشخصيات التخييلية كشخصيات تملك سيرة ذاتية في فضاءٍ ما، أنها مجرد اختبارات متكررة لـ “أنا تجريبي”، كما يصفها كونديرا.

وعلى عكس الرواية التقليدية التي تبحث عن سلسلة من التوافقات المنطقية أو العقلية، التي أدت إلى حدوث الفعل في الرواية، يبحث كونديرا في معظم رواياته في “ما وراء السببية”، ويحدد سؤال الرواية الأبدي: كيف يولد القرار؟ كيف يتحول إلى فعل، وكيف تتسلسل الأفعال وتتوالد مكونة مغامرة الرواية؟

مقالات ذات صلة

إغلاق