هموم ثقافية

العمل المدني حاضنة الثقافة والفن

لو تمعنا في تاريخ المسرح، العربي والسوري بخاصة، وحللنا الظروف التي أحاطت بنشأته وتطوره؛ لوجدنا أن أساسه وحاضنته هي الإرساليات الأجنبية والمقاهي الشعبية والأندية الرياضية والثقافية. ولم يكن هذا ممكنًا –طبعًا- قبل نشوء المدينة واستقرارها.

ولأن المقاهي والأندية –لأسباب مختلفة- لم تكن موجودة في بعض الأماكن والبيئات؛ فقد حلت محلها السرادق التي تقام في ساحات القرى، والمضافات الكبيرة العامرة التي يجتمع فيها الناس، ليس للتشاور وحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية فقط؛ بل للاحتفال –أيضًا- بالأعياد والأفراح والأتراح، والمناسبات العامة التي تهم الجميع، والتي كانت تأخذ في أغلب الأحيان طابعًا فنيًا وأدبيًا: “شعر، غناء، رقص، مسرح..”.

فمَن من جيل أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، لا يذكر المضافة التي لم تكن مطرحًا للاجتماع والتشاور فقط، بل مسرحًا لمختلف تلك النشاطات والسهرات الفنية والأدبية! مثل إلقاء الشعر الشعبي والقصص الطريفة والدبكات والعزف على الربابة والمجوز، وغيرها من الفنون الشعبية التي يشتهر بها –عادة- فنانون موهوبون، كانت تتم دعوتهم –خصيصًا- لإغناء (السهرة) بحضورهم المميز. ومَن منا لا يذكر طقوس الأفراح (الأعراس) وطقوس الأتراح (الموت) التي تنتمي -عمليًا- إلى أساطير قديمة مقدسة، تفككت –مع الزمن- وتحولت إلى مجموعة من خرافات وعادات وتقاليد المجتمع، ما زال بعضها ساريًا حتى الآن!

كثيرة هي الظواهر المسرحية التي سبقت فن المسرح، وتحولت إلى تقاليد شعبية مارسها الناس قبل أن ينظموا أنفسهم في أندية مختصة. نحن هنا لا نتحدث عن تلك الظواهر المسرحية التي عكف “القومجيون” على البحث عنها (علي عقلة عرسان وأمثاله)، في تاريخنا العربي والإسلامي، وحتى الجاهلي، محاولين جاهدين إثبات وجودها في تراثنا القريب والبعيد! وهي موجودة في الحياة، أمام أنوفهم وفي متناول أيديهم! التراث والفولكلور، العادات والتقاليد والطقوس الخاصة بالفلاحة والبذار والاستسقاء والحصاد وجني المحصول “البيدر” والزواج والطلاق والولادة والختان، وغيرها من الأنشطة البشرية، المادية والمعنوية، المعبرة عن عواطف الناس وأحلامهم وأفراحهم وأحزانهم.

يجب علينا دراسة ومراجعة هذه الأنشطة المادية، وما نتج عنها من تعبيرات ثقافية (معنوية وروحية)، ليس في الكتب والمخطوطات الصفراء، بل في حياة الناس وعاداتهم ومعتقداتهم وطرق تفكيرهم، لما لها من تأثير حاسم في تكوّن وعي المجتمع وإبداعاته الفنية اللاحقة، التي تتفجر ما إن يُسمح لها بالتعبير عن نفسها.

الأندية والجمعيات، كأول شكل من أشكال التجمع المدني المنظم، لا تتشكل وتنشط وتلعب دورًا ثقافيًا، إلا في المدن والحواضر الكبيرة والمجتمعات المدنية (حيث يتشكل الجمهور)، وفي جو من الحرية والتنافس، والسماح للرأي المستقل بالتعبير عن نفسه. لذلك، أظن أن إقفال الأندية واحتكار الفن ومنع تشكيل الفرق المستقلة، كان وراء وقف وإحباط اندفاعة المسرح السوري الواعد الذي تألق في محطتين فارقتين: (عصر النهضة، والعصر الذهبي للمسرح السوري في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي).

وُلد مسرح مارون النقاش (1817- 1855) وأبي خليل القباني 1833) – 1903)، وغيرهما من الرواد الأوائل، قبل الاستعمار الفرنسي المباشر، بأكثر من نصف قرن، وذلك من خلال المدارس التبشيرية والأندية والمقاهي الشعبية، ليتطور ويزدهر في دمشق وحلب وبيروت والإسكندرية والقاهرة، من خلال تشكيل الفرق المسرحية المستقلة.

ومن اللافت أن النشاطات المسرحية اللاحقة، قامت بفضل تلك الأندية، وعلى أنقاضها أيضًا! فما إن قامت (الحركة التصحيحية)، واستولت على السلطة بانقلاب عسكري سنة 1970؛ حتى كان أول إنجازاتها إغلاق ومنع هذه الأندية من النشاط، لتحل محلها المنظمات الرديفة لحزب البعث! ثم تمّ إلغاء المسرح المدرسي –أيضًا- واستبداله بمنظمة الطلائع، ليصبح الإنسان السوري تحت سطوة النظام من المهد إلى اللحد.

مقالات ذات صلة

إغلاق