ترجمات

اليرموك، مقبرة فلسطينيي سورية

المخيم الذي استعاده النظام من الدولة الإسلامية (داعش)، هو رمز التمزق الفلسطيني في الصراع

في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، لعب حي اليرموك، القائم في جنوب دمشق، الذي استعادته القوات الحكومية من الدولة الإسلامية (داعش)، يوم الإثنين 21 أيار/ مايو، دورًا خاصًا. كان يُقدَّمُ بوصفه مخيم اللاجئين الأكبر في الشرق الأوسط، لكنه كان أكثر من ذلك. كان مأوى حضانة الهوية، وفضاءً نضاليًا ورفاقيًا، ومكان تمازج اقتصادي وثقافي، لقد كان هذا المثلث المؤلف من كيلومترين مربعين، طوال ستين عامًا، والذي اندمج في النسيج العمراني الدمشقي، يقوم مقام عاصمة الشتات الفلسطيني غير المعلنة.

انقضت هذه الحقبة بصورة نهائية. لم يعد اليرموك موجودًا. فقد كشف إخلاء آخر مقاتلي الدولة الإسلامية، الذين كانوا يسيطرون منذ ثلاث سنوات على المخيم، عن منظر يستدعي مشهد يوم القيامة. لم يبق من الحي الذي عاش فيه مغنو “فرقة العاشقين” التي أثارت إيقاعاتها أجيالًا من المنفيين، إلا بقايا من صفائح لا شكل لها من الإسمنت والحديد. كان يسكن فيه عام 2011 نحو 150000 فلسطيني، أي ثلث عدد الفلسطينيين في سورية. بقي فيه اليوم بين 100 و200 شخص.

بدأ السباق نحو الهاوية، في 15 أيار/ مايو 2011، يوم ذكرى النكبة، والنزوح القسري للفلسطينيين عند إنشاء دولة إسرائيل عام 1948. دُعي أبناء السبعمائة ألف، من الفلاحين وأبناء المدن الذين طردوا تلك السنة، إلى التظاهر على حدود الدولة العبرية، وإلى المطالبة بـ “حق العودة”، حقهم. كانت الإشارة قد أطلقت من قبل منظمات الشباب، ثم من النظام السوري والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ القيادة العامة، وهي فصيل صغير من الموالين للنظام، ومن المعادين لمنظمة فتح، منظمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

قتل ثلاثة فلسطينيين في ذلك اليوم بهضبة الجولان على أيدي الجيش الإسرائيلي الذي يحتل جزءًا من هذه المنطقة منذ حرب 1967. في الخامس من حزيران، يوم ذكرى بدء هذه الحرب، انتهى التجمع بمقتل 23 شهيد إضافي. كان لهؤلاء القتلى في نظر نظام دمشق، فضل صرف انتباه المجموعة الدولية عن الثورة ضد الأسد التي كانت قد بدأت قبل شهرين وقُمِعَت بالدم. غضب فلسطينيو اليرموك من التلاعب بهم، فأحرقوا مكاتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة.

الخطر يقترب

سؤال يطرح نفسه آنئذ: سؤال تموضع المخيم في الثورة ضد الأسد، التي بدأت في التسلح. الأكثرية الواسعة من السكان ومعظم الفصائل السياسية، ومنها (فتح)، دعت إلى الحياد. كانت محنة فلسطينيي لبنان، الذين راحوا ضحايا مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في الحرب الأهلية التي مزقت بلاد الأرز بين 1975 و1990، في أذهان الجميع. حتى وإن لم يكن لدى فلسطينيي سورية أيّ تعاطف مع بشار الأسد، الذي حاول أبوه (حافظ الأسد)، سحق فدائيي ياسر عرفات في سنوات 1980، إلا أنهم كانوا يتمتعون بشروط حياة أفضل مما هي عليه، في كل البلدان العربية الأخرى.

ولأنه يفتخر بالعروبة، ولأنه استقبل عددًا أقل بكثير من اللاجئين، بالنسبة إلى عدد سكانه، بالمقارنة مع لبنان والأردن، فقد منح النظام البعثي لهم تقريبًا الحقوق ذاتها التي يتمتع بها السوريون. واليرموك، وهو مخيم غير رسمي، أنشئ عام 1957 بقرار من حكومة تلك الحقبة، وتحول إلى حي تجاري، مختلط اجتماعيًا، هو رمز هذا الاندماج الناجح نسبيًا. هذه العوامل كلها تدفع الفلسطينيين نحو الحذر.

لكن الخطر يقترب. فهناك من جهة، الميليشيات العاملة تحت إمرة النظام، ميليشيات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، وفتح – الانتفاضة، التي هي دمية أخرى لدى دمشق. في نهاية عام 2011، بدأت هذه الأذرع القوية تقوم بدوريات على أطراف المخيم، وتراقب المساجد التي هي فضاءات تقليدية للاحتجاجات المضادة للنظام. في الحكاية التي نشرها عام 2014 في مجلة الدراسات الفلسطينية، يستشهد نضال بيطاري، وهو صحفي من مخيم اليرموك، بالأوامر المنقولة في شباط 2012 من قبل ضابط سوري: “تأكدوا من أن يبقى اليرموك هادئًا، لأننا لا نحب اليرموك أكثر من بابا عمر”. تذكير بأحد أحياء حمص، دُمِّرَ تحت القنابل.

من الجهة الأخرى، كان المتمردون، الذين كانت ضواحي دمشق الفقيرة تربتهم الطبيعية، يضغطون أيضًا على اليرموك. فأعضاء حركة حماس، الحركة الإسلامية الفلسطينية، التي كانت زمنًا طويلًا حليفة دمشق، انضموا إلى صفوفهم. وكانت المساعي التي قام بها مسؤولون في منظمة التحرير الفلسطينية لإقناع مناهضي الأسد بتوفير المخيم قد فشلت. وكما في الأماكن الأخرى، كان ثمة جزء من الانتقام الاجتماعي يدخل في تصميم الثائرين، القادمين في قسم منهم من الحجر الأسود، وهو حي فقير على حوافِّ اليرموك.

في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2012، قصفت طائرة ميغ سورية المخيمَ؛ ما أدّى إلى مقتل عشرات المدنيين. غداة ذلك اليوم، قامت فصائل الجيش السوري الحر، الحليفة مع جبهة النصرة، وهي الفرع السوري للقاعدة، بالهجوم على مواقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ القيادة العامة، واستعادت السيطرة على اليرموك، الذي انتهت منذئذ حياديته. أدركت الحرب الأهلية السورية هذا الحي، ولسوف تجري كبرى أطوار الصراع فيه واحدًا بعد الآخر، بشراسة مضاعفة، نظرًا إلى موقعه الاستراتيجي.

هناك أولًا الحصار والقصف، عقاب أنزل بالمناطق التي انضمت إلى التمرد. ثم نزوح السكان، وهو النتيجة الفورية لضروب العنف هذه، هروب كان من السرعة بقدر ما كان القادمون الجدد هؤلاء قد جعلوا من أنفسهم مذنبين بارتكاب الانتهاكات. ثم تطور التجويع فيما بعد، دافعًا أحد الأئمة إلى أن يعلن في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، أن أكل لحم الكلاب حلال.

انفجرت الصراعات بين المتمردين، وكانت، كما في الأماكن الأخرى، لصالح الجماعات المتطرفة، الأكثر انضباطًا والأفضل تسليحًا. فبمساعدة جبهة النصرة، دخلت الدولة الإسلامية إلى اليرموك، في 1 نيسان/ أبريل 2015، وبعد سنة من ذلك، وهي المرحلة الأخيرة من تفتت التمرد، طردت منافسها الجهادي، ووضعت المخيم تحت سيطرتها. على أن حركة حماس، التي كانت تظن أن جبهة النصرة كانت سدًا في وجه الدولة الإسلامية، تلقت ضربة من الخلف. فأوقفت كل دعم للمتمردين، وشرعت باستعادة العلاقات مع إيران وحزب الله، الداعميْن للأسد.

فصل النهب

باتت الفصائل الفلسطينية الملغومة بالانقسامات، عاجزة عن إزاحة الدولة الإسلامية، وعن إنقاذ ما بقي من المخيم. على أن القوى الموالية سوف تنجز المهمّة بين 10 نيسان/ أبريل و19 أيار/ مايو. شهر من ضروب القصف والمعارك الشرسة، انتهى بتدمير اليرموك، وأعقبه فصلٌ من النهب المنظم.

من دمشق، وعَد ممثل منظمة التحرير الفلسطينية أنور عبد الهادي، بأن جرف الأنقاض يمكن أن يبدأ عما قريب. لكن لم يُخدع أحد بذلك. ففي لبنان، وبعد أحد عشر عامًا من تحرره من جهاديي فتح الإسلام، لقاء ضروب واسعة من التدمير، لم يُبْنَ من مخيم نهر البارد، وهو أصغر بكثير من مخيم اليرموك، إلا نصفه. لا بل إن وكالة الأمم المتحدة المكلفة باللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، اعترفت هي نفسها بأنه ليس من المحتمل أن يعود السكان ذات يوم إلى بيوتهم.

فقد هرب جزء كبير منهم، يقدر بنحو مئة ألف نسمة، من سورية، محمولين ضمن موجات الهجرة التي استقرت منذ صيف 2015 على شواطئ أوروبا. “ههنا الآن حياتي“، كما شرح حمزة عبد الهادي، وهو صحفي آخر من المخيم، لجأ إلى برلين. “تدمير اليرموك، كما لو أنه نكبة ثانية”.

على غرار أجدادهم، يجب على الناجين من المخيم أن يبدؤوا كل شيء من الصفر. ولكن وحدهم، بلا عون، بعيدًا عن هذه المغامرة الجماعية التي كانها مخيم اليرموك. على أن هذا المنفى الثاني كان ينطوي على ميزة: سمح لهم جواز السفر الأوروبي الذي حصل عليه البعض، للمرة الأولى في حياتهم، أن يذهبوا إلى إسرائيل. رحلة سياحية، مفعمة بالحنين، كما لو أنهم يقولون وداعًا لأرض أجدادهم.

 

العنوان Yarmouk, le cimetière des Palestiniens de Syrie
الكاتب بنيامين بارت       Benjamin Barthe
المصدر اللوموند           Le Monde
الرابط https://www.lemonde.fr/syrie/article/2018/05/26/yarmouk-le-cimetiere-des-palestiniens-de-syrie_5305021_1618247.html
المترجم بدر الدين عرودكي

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق