كلمة جيرون

الدستور “الفضيحة”

يُصرّ الروس على أن يضع السوريون دستورًا لهم قبل انتهاء الحرب، ويُصرّ النظام السوري كذلك على أن يكون هذا الدستور تعديلًا لدستور عام 2012، الذي وضعه رأس النظام السوري، ومنح نفسه فيه صلاحيات استثنائية لا يمتلكها رئيس ولا يقبل بها شعب عاقل.

رفض النظام السوري مناقشة تغيير الدستور جذريًا، كما رفض وضع مبادئ فوق دستورية، وأعلن عدم استعداده لمناقشة فكرة إعلان دستوري للمرحلة الانتقالية، وعبّر عن احتقاره لفكرة الجمعية التأسيسية، ولم ير سوى دستور 2012 الذي نقل سورية، من مرحلة حكم الحزب الواحد إلى مرحلة حكم الشخص الواحد.

لمن لا يعرف من الرماديين، ومن مؤيدي النظام السوري، ما هو دستور 2012 “الفضيحة”، يمكن اختصاره بأنه يمنح صلاحيات واسعة وضخمة للغاية للرئيس؛ فهو -في هذا الدستور- يتولى تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه، وتسمية الوزراء ونوابهم، وقبول استقالتهم وإعفاءهم من مناصبهم، وهو الذي يضع السياسة العامة للدولة ويشرف على تنفيذها، ويُلغي دور الأغلبية البرلمانية في ذلك، وهو الذي يُعلن الحرب ويعقد الصلح، وهو الذي يمتلك الحق في إعلان حالة الطوارئ وإلغائها، والحق باعتماد رؤساء البعثات الدبلوماسية لدى الدول الأجنبية، وهو قائد الجيش والقوات المسلحة، وصاحب الحق في تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين وإنهاء خدماتهم، حتى لو كان على مستوى آذن مدرسة، كما يمتلك الحق في حلّ مجلس النواب، وأن يتولى السلطة التشريعية بدلًا من هذا المجلس، وهو مَن يقترح تغيير الدستور.

لمن لا يعرف ما هو دستور 2012 “الفضيحة”، يمكن التأكيد بأنه أسس للانتقال من مرحلة الحكم الشمولي إلى مرحلة الحكم الدكتاتوري الفاشي، وإلى مرحلة حكم الفرد – الإله. دستور يحتقر الشعب إذ يضع في يد الرئيس السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويمنحه حصانة لا تسمح للشعب أن يُحاسبه، وهناك نحو ربع مواد الدستور تتحدث عن صلاحيات وقوة ونفوذ وجبروت الرئيس، في حكم البلاد والعباد.

لم يضع الأسد لنفسه دستورًا “فضيحة” فقط، بل دستورًا “أضحوكة” أيضًا، حيث كلّفَ الرئيسَ أن يُعيّن قضاة المحكمة التي يمكن أن تُحاكم الرئيس، وكلّفه أن يُعيّن القضاة الذين يراقبون الانتخابات التي سيترشح هو نفسه فيها، وهو الدستور الوحيد في العالم الذي يذكر الرئيس الحالي في مواده، حين ذُكر أنه سيمنح الأسد الحق في الترشح من جديد للرئاسة دون أن تُحسب الدورات السابقة التي كان فيها على رأس السلطة.

المعارضة السورية التي ذهبت إلى سوتشي، وأستانا، وربما ستذهب إلى جنيف وغيرها، لبحث الدستور، ستحمل على ظهرها ألف عار وعار، إن وافقت على مناقشة تعديل وإصلاح الدستور “الفضيحة” لعام 2012 الذي فصّله الأسد ليبقى إلى الأبد، هو وسلالته، وليتحكم بالبشر ومصيرهم، وليُمارس القمع والتعذيب والاعتقال والقتل وغيرها من انتهاكات لحقوق الإنسان دون أن يُحاسب.

يقولون “الولد” سرّ أبيه، ففي ظل حكم الأسد الأب، تم تكبيل دستور سورية بقانون الطوارئ وقانون المحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة، الذي يحظر التظاهر وتشكيل الأحزاب وإطلاق الإعلام الحر، ويتيح الاعتقال التعسفي والتنصت والقمع والإخفاء والقتل، بينما في ظل حكم الأسد الابن، تم تكبيل دستور سورية بقانون الإرهاب الأكثر سوءًا من كل ما سبقه، والذي أتاح له أن يُدمّر سورية كلها، مُعتقِدًا أنه فوق المحاسبة لأن الدستور يحميه، متناسيًا أن إرادة الشعب هي الدستور، وأن دمعة أم على موت وحيدها الذي لم يحمل السلاح هي مبدأ فوق دستوري، وأن نظرة حزن من طفل يتيم فقدَ أباه أهمّ من كل دساتير آل الأسد، أبًا وابنًا، وكلّ من لا يثور على دستور الأسد، معارضًا كان أم رماديًا أم مؤيّدًا، سيَصلى في يوم قريب نيرانَ هذا الدستور، وسيندم يوم لا ينفع ندم ولا تُفيد حسرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق