مقالات الرأي

التهجير.. بديل النظام أم بديل الشعب

الحالة الطبيعية هي ارتباط الإنسان بأرضٍ، بموقع جغرافي ينتمي إليه، وقد ينتقل طوعًا داخل المكان أو خارجه، وهذه هي الهجرة، أما حينما يُجبر على مغادرة مكانه، فهذا تهجير، إنه أسلوب للفصل بين الإنسان والأرض التي ينتمي إليها بالقوة؛ ما يجعله منفيًا من مكانه الخاص، من تاريخه وذكرياته.

تجربة الحركة الصهيونية في فلسطين مثال واضح عن التهجير، وفيها إجبار مجموعة بشرية على ترك موطنها، مكانها الخاص، وإحلال مجموعة أخرى غريبة محلّها، سيطرت على المكان واعتبرته أرضًا لها، وأخذت تستفيد من خيراته وموقعه لصالحها، وهذا ما عُرف بالاستعمار الاستيطاني، الذي سيطر على تراث المجموعة المهجَّرة، وصنع تاريخًا مصطنعًا يربط بين المجموعة الجديدة والأرض التي استحوذت عليها، وأخذ شرعية دولية بمساعدة قوة عظمى، وبمساعدة نظام عالمي. هكذا أُقيمت “إسرائيل” عام 48، ثم توسعت عام 67، عبر احتلال الضفة الغربية والجولان الذي هجّرت غالبية سكانه وضمته إليها، وتطالب العالم الآن بالاعتراف بذلك.

ما يجري في سورية، بعد قيام الثورة عام 2011، أسلوبٌ آخر من التهجير، يمكن تقسيمه إلى نوعين: الأول مجموعات تركت موطنها إلى مكان آمن آخر، داخل سورية أو خارجها، لأنها طالبت بحقوقها من النظام القائم، الذي ردّ على ذلك مستخدمًا العنف المفرط، فاضطرت، حفاظًا على حياتها أو هربًا من تجنيد أفرادها، إلى النزوح إلى مناطق أكثر أمنًا، داخل سورية أو خارجها. والثاني مجموعات أخرى رفضت الخضوع للنظام الذي جابهها بالعنف؛ ما اضطرها إلى الدفاع عن نفسها، وحمَل بعض أبنائها السلاح، فاستخدم النظام ضدها كل الأساليب لتدمير أماكن تواجدها، وإخضاعها للتهجير الذي فرض عليها، بترك أملاكها ومساكنها إلى مناطق أخرى أُجبرت على اللجوء إليها. الجديد في أسلوب التهجير هذا أن من يقوم به سلطة محلية ضد شعبها الذي من المفروض أن تُدافع عنه، وأن الغاية منه تغيير ديموغرافي لإحلال مجموعات أخرى، محلية أو غريبة عن سورية، تُشكّل حاضنة مؤيدة للسلطة القائمة، مكان أصحاب الأرض الذين شُرّدوا عنها.

قبل التهجير، كأسلوب للحفاظ على السلطة، استخدم البعث عدة أساليب للحفاظ عليها، أولًا عن طريق الحزب القائد، الذي احتكرها لصالح من ينتمي إلى أيديولوجيته، حيث حصل صراع بين أجنحة الحزب على من يُمسك فعليًا بمقاليد السلطة، انتهى بمرحلته الأولى بسيطرة العسكريين، تحت اسم “القيادة القطرية” التي نسخت التجربة الستالينية: يمثل الحزب الشعب، والحزب تمثله لجنته المركزية، وهذه يمثلها الأمين العام. وحصل الصراع في سورية على من يُمثّل الأمين العام، وتمّت الهيمنة على الدولة لصالح الحزب، وبخاصة قياداته التي تمتعت بالمنافع على حساب بقية الشعب.

إثر هزيمة 67، بسبب الصراع حول أسبابها وكيفية تجاوز نتائجها؛ وصل حافظ الأسد إلى السلطة بالانقلاب على رفاقه وزجهم في السجون، ونسخ تجربة كوريا الشمالية: شعب ضعيف يحتاج إلى رمز يتعلق به ليستعيد ثقته بنفسه، وجعل من نفسه هذا الرمز، فركّز السلطة بيده، وعممت المنظمات الشعبية المسيطر عليها على المدارس والنقابات التي تهتف باسمه، وأُلحقت بها جبهة تقدمية شكلية خاضعة لسلطة الحزب، الذي تحول مع الحكومة إلى هياكل تُمسك اسميًا بالسلطة، لكن السلطة الفعلية انحصرت بيد الرئيس الذي سلّم مراكز القرار للمقربين منه، وبخاصة من عائلته وطائفته، ولأجهزة أمنية متعددة أحصت أنفاس الشعب، وملأت السجون بكل من عارض السلطة، وهكذا تعزز الانفصال بين السلطة والدولة، حيث أصبحت الثانية في خدمة الأولى، وهذه في خدمة الرئيس ومقربيه، وانتشر الفساد والمحسوبية تحت شعار المقاومة والممانعة؛ ما مهد لقيام الثورة عام 2011 بعد انتفاضة تونس ومصر.

طالب الشعب بحريته عبر تظاهرات سلمية، وُوجهت بالعنف منذ أيامها الأولى، ومع توسع التظاهرات توسع القمع؛ ما مهّد لتسلح الثوار لحماية أنفسهم، وتزايدت الانشقاقات في الجيش، وتراجعت سيطرة السلطة عن مناطق كثيرة؛ ما أدى إلى استعانتها بميليشيات شيعية متنوعة، وهكذا تمّ تحويل الأمر من محاولة شعب لنيل حريته من حكومة مستبدة، إلى حرب أهلية سنية شيعية، تحت مظلة محاربة الإرهاب.

مع دخول إيران الصراع ثم روسيا وتركيا والولايات المتحدة، كلّ منها لمصلحتها الخاصة؛ تحوّلت سورية إلى بلدٍ تتصارع على أرضه عدة قوى، فقدت السلطة نفوذها لصالح تلك القوى، التي تُحاول جاهدة استعادة ذلك النفوذ ضد المجموعات المسلحة، على مناطق اعتبرتها مهمة لوجودها، وهكذا تمّ اللجوء إلى محاصرة تلك المناطق وقصفها بكل أنواع الأسلحة، ثم تهجير سكانها، والهدف تثبيت سلطة قائمة لصالح الأطراف التي تدخلت في سورية؛ الأمر الذي جزأها إلى مناطق نفوذ يمكن أن تُمهّد للتقسيم.

الخطير في التهجير الذي تُمارسه عدة قوى على الأرض السورية، أن هدفه إيجاد “شعب متجانس”، بإبعاد من يرفض القمع والظلم، وإحلال عناصر أخرى غريبة عن البلد، وإعطائها أملاكًا وهوية سورية، بنهب محتويات أهل البلد ونزع أملاكهم، لتوفير حاضنة للنظام تديم بقاءه.

يُهيئ النظام الأرضية لـ “سورية الأسد”، بإنشاء شعب تجانسه الوحيد هو تصفيقه لولي الأمر، ومن يرفض يُبعد، وفي سبيل ذلك لا بدّ من استقدام أي قوة تساعد على ذلك. إنها سورية المحتلة، وهذا يطرح عدة أسئلة أمام الشعب السوري: هل هذه سورية التي ثار من أجلها وقدّم آلاف التضحيات في سبيلها؟ وماذا سيبقى من الوطن السوري، إذا ارتبط كيانه بشخص وطائفة وقوى محتلة؟ وبالتالي كيف سيحدد السوريون انتماءهم وهويتهم؟ وما هو بديلهم عن سورية، كما يريدها النظام، البديل الذي يجمعهم بغض النظر عن انتماءاتهم الضيقة الإثنية والطائفية، ويوحدهم كأفراد متساوين في دولة تحترم مواطنيها وتدافع عنهم، وتسترجع أراضيها المحتلة سابقًا ولاحقًا؟ إنه سؤال مطروح على كل السوريين، في منافيهم الخارجية والداخلية، ولا بدّ أنهم سيجدون الجواب عليه ويحققون أمانيهم، مهما طال الزمن وتكالبت عليهم قوى الاستعباد والظلام.

مقالات ذات صلة

إغلاق