قضايا المجتمع

كنيس جوبر اليهودي: محطة جديدة في تدمير ونهب إرث سورية الحضاري

لم تدمّر الحرب العنيفة في سورية، المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات، البنى التحتية والمباني السكنية فقط، ولم تقتل أجيالًا من السوريين وحسب، لكنها قضت على تراثهم الحضاري والثقافي، ودمّرت معالم أثرية تمثّل الهوية الثقافية والتاريخية للبلاد.

فمن أسواق حلب القديمة وجامعها الأموي الكبير، إلى تدمير ضريح خالد بن الوليد في حمص، مرورًا بآثار تدمر، ووصولًا إلى مئذنة الجامع العمري في درعا، ما زالت موجات العنف والنهب والسرقة تحصد معالم سورية التراثية والثقافية، واحدًا تلو الآخر.

آخر المواقع الأثرية السورية التي تعرضت للانتهاك كان الكنيس اليهودي المسمى (آلياهو هالامي)، في شارع المدرسة منتصف حي جوبر الدمشقي، الذي تعرض للسرقة والنهب على أيدي عناصر من (فيلق الرحمن) الذي كان يسيطر على المنطقة.

في مطلع أيار/ مايو الحالي، صادرت السلطات التركية نسختين قديمتين من التوراة، كان يحاول 4 سوريين ينتمون إلى (فيلق الرحمن) بيعهما في تركيا، بعد أن استحوذ عليهما الفيلق بعد خروجه من الغوطة الشرقية باتجاه إدلب.

النسختان القديمتان للتوراة منقوشتان على جلد غزال ومرصعتان بالزمرد والياقوت، ومعهما قطع ذهبية ومخطوطات أثرية وعشرات الكتب القديمة المكتوبة بالعبرية.

أنس المقداد، وهو باحث مشارك في مركز البحوث الفرنسي للآثار في جامعة (السوربون)، تحدث إلى (جيرون) عن الأهمية التاريخية للكنيس ومقتنياته قائلًا: “يعود تاريخ كنيس جوبر المسمى (إلياهو هالامي) إلى 400 سنة تقريبًا، وكان يشرف عليه الحاخام أبراهام حمرا، قبل سفره الى أميركا، ومنها الى فلسطين حيث قام بإحداث المركز الدولي لتراث اليهود السوريين في فلسطين المحتلة، وكذلك قام بتهريب الكثير من القطع الأثرية من سورية، وكان ذلك قبل قيام الثورة السورية بسنوات”.

تابع المقداد: “هناك من يعتقد أن تاريخ كنيس جوبر يرجع إلى سنة 720 قبل الميلاد، وأن فيه مقام الخضر عليه السلام، ولكن لا يوجد شيء يثبت هذا التاريخ من الناحية الأثرية. وقد تعرض الكنيس لقصف من قبل قوات النظام، وتمّ تدمير أجزاء كبيرة منه”. وأكد أن الكنيس يحتوي على قطع أثرية، ولكنه استبعد أن يحتوي على أقدم نسخة من التوراة في العالم، وقال: “لا يُعرف بالضبط التاريخ الصحيح للنسخ المهربة إلى تركيا، وذلك لغياب الدراسات العلمية والأثرية بهذه النسخ”.

يؤكد المقداد أن نظام الأسد كان من أوائل الذين قصفوا ودمّروا الآثار السورية، مثل مئذنة الجامع العمري في مدينة درعا البلد ومئذنة ومبنى الجامع الأموي في مدينة حلب القديمة، وكثير من المباني الأثرية في المدينة من مدارس وخانات وبيوت تراثية، وكذلك قصف كاتدرائية قلعة سمعان في شمال سورية، إضافة إلى تدمير ضريح خالد بن الوليد في حمص، وكنيسة أم الزنار.

كذلك تقاسم النظام السوري و(داعش) الأدوار في تدمير مدينة تدمر القديمة، وهذه بعض الأمثلة التي تشهد على همجية النظام في قصف المواقع الأثرية، وحقده على تراث وتاريخ وآثار سورية.

يرى المقداد أن “كثيرًا من الفصائل العسكرية التي تسيطر على المناطق المحررة في محافظات إدلب ودير الزور وحمص وشمال حلب ومدينة بصرى الشام، أثبتت فشلها وجهلها بأهمية الآثار السورية، وبدا أنهم نسخة أخرى من النظام المجرم الذي تاجر بالإنسان والمكان والآثار، قبل وأثناء الثورة السورية. وهذا يوضح لنا أن هناك مشكلة في بناء الإنسان السوري الذي تربى في مدارس الديكتاتورية الفردية”.

أضاف: “وكذلك كشفت الثورة السورية فشل المنظمات الدولية في المحافظة على التراث العالمي، والآثار السورية جزء منه، وأكبر مثال على ذلك منظمة (يونسكو) التي بقيت تساعد النظام ماديًا ومعنويًا، وذلك بإحداث مكتب في مدينة بيروت لهذه الغاية، وما زالت سفيرة النظام تمثله في المنظمة حتى الآن، على الرغم من الكوارث والجرائم الكبيرة التي ارتكبها النظام طيلة سنوات الثورة”.

يرى المقداد أن هناك صعوبة في المحافظة على الآثار السورية حاليًا، وذلك بسبب إجرام النظام والانتهاكات التي تقوم بها بعض فصائل المعارضة، إضافة إلى استغلال المافيا المحلية والدولية للفوضى العارمة التي تعمّ سورية حاليًا، في ظل وجود أطراف خارجية محتلة تستغل وتتقاسم ثروات البلاد.

من جانب آخر، قال ياسر حجي، مسؤول مكتب الإعلام في الحكومة السورية المؤقتة: إن “آثار الكنيس اليهودي إرث وطني، وإن الاستيلاء عليه والمتاجرة به جريمة يجب المحاسبة عليها”. وأكد في تصريح لـ (جيرون) أن “الحكومة المؤقتة ستطالب السلطات التركية باستعادة التوارة والآثار التي تمت مصادرتها، باعتبارها آثارًا سورية، إلى أن يسمح الوضع مستقبلًا بإعادتها للكنيس”. وأضاف: “يجب إنشاء هيئة تسعى لتوثيق الآثار السورية، ومن ثم العمل على استرجاعها ومحاسبة المسيئين. وهذا الأمر يتطلب تقنيين وخبراء محليين وأجانب وجهودًا كبيرة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق