تحقيقات وتقارير سياسية

إشعاعات وضّاءة للأسد عند الإسرائيليين

كان من المخجل حقًا، أن تظهر نتائج دروس الدم السوري سريعة على لوحة الممارسات الإسرائيلية، وهي بلا شك جزء من الثمار التي يُقدمها الأسد للمحتل الإسرائيلي، الذي سجّل بدوره في دفتر النظام علاماتٍ لا تقل أهمية عن منجزات متبادلة بين الطرفين، والأكثر خجلًا وعارًا أن تكون المقارنات، بين الجولات الوحشية والتدمير، بالعودة إلى سجلّ الصهيوني، كي نفتش فيه عن خزان الجريمة والدموية: هل يطفو هناك أم يقلّ هنا. لماذا العودة إلى الاحتلال كلّ مرة؟ يسأل أحدهم، أليس هو العدو الذي يفترض أن نتابع سجل ممارساته لنرد عليها؟ هكذا هو الدم السوري مستباح له فعل الهزات الكبرى التي ترمي إلى سطح الأرض ما تختزنه داخلها؛ فيظهر الفلسطيني في اليرموك مستفزًا من تزوير الواقع دفاعًا عن مجرم.

هي صورة معظم المدن والقرى السورية، لكن لليرموك نكهة ممزوجة بطقوس تذوق الدم من القاتل الممانع، لا من لعنة المحتل الاستيطاني الذي فشل في تدمير شواهد قرى ومقابر وخرائب، بقيت حتى يومنا تقاوم مخرز الصهيوني، حمل صورها اللاجئون سبعين عامًا في اليرموك. مفاتيح الدور وكواشين الأراضي، دمّرها وصهر أثرها الأسد في لحظات، لتعبّر عن قدر رهيب متصل بالظاهرة الأسدية بالعصر الحديث، حيث تعبّر الجريمة في اليرموك عن صورة اللا مرغوب فيه، عن الإنسان السوري المستباح، وعن الذي لا يولد إلا ليموت قبل أوان الحرية.

منذ فجر الثورة السورية، شهدنا “إشعاعات” وضاءة، نجمت عن سلوك النظام في دمشق، وبرزت حالات كتحصيل حاصل لحتمية مسار وسلوك ومنهج الطاغية وأتباعه في سورية، ظهرت معهما نواة نشوء المدرسة الشاملة، بكل أبعادها ومؤشراتها، التي أرست دعائم كيان نظام مشبع بالجريمة والإرهاب على نطاق واسع، تعدى الإقليم ووصل إلى مستوى دولي رفيع، حيث بقي ممثلوه يرافعون ويدافعون عنه، وعن معظم الجرائم المستمرة حتى الآن، انسجامًا مع متطلبات الجريمة وحركة وسيطرة النظام. المذابح المروعة التي ارتكبتها أياديه لم تكن الأولى، فقد توالت تباعًا، وإن كانت أكثر وحشية وربما أوفر حصادًا، وهنا بيت القصيد، وهي أهم ثمرة نتجت عنها.

يَظهر رهط الموهومين بالمجرم، يبحثون عن زوايا يختبئون خلفها حتى تمرّ الجريمة، لكن الجريمة في سورية أقوى من السفاح بوحدتها وهويتها، ويظهر السوري ابن درعا وحلب والقصير وحمص والدير والرقة والغوطة وداريّا، ممسكًا بهويته النازفة، وتبدو المعادلة أكثر وضوحًا؛ فالسيطرة الآخذة بالاتساع مع الجرائم لا يمكن أن تمرّ من دون دروس تظهر نتائجها تباعًا عند المحتل الإسرائيلي، لم يبق سجلٌ من سجلات الممارسات، إلا دوَّن فيه الإسرائيلي ملاحظاتٍ عن المعتقلات وطرق التعذيب والإخفاء والقتل، والتهجير واستخدام الأسلحة المحرمة والدمار الشامل، وصولًا إلى الاستهزاء بالقانون الدولي والانتهاكات المتكررة بحقوق الإنسان، لم يعد الإسرائيلي وحده في ميدان الجريمة، لا من حيث توفر الدعم بـ (فيتو)، ولا من حيث اللوبيات المنتشرة لحماية المحتل والطاغية.

ولأن الطاغية في دمشق يعرف ويدرك أبعاد ما فعلت يداه؛ فإنه لا يكل ولا يمل عن الاجتهاد بحثًا عمّا يحافظ له عبثًا على سيطرته، وقد قام بابتكار ممارسات تجلت، كأعظم دروس في القرن الحادي والعشرين، في سجل التطهير العرقي والتدمير المنهجي والقتل الجماعي، واستخدام كل وسائل الوحشية ضد السوريين، فيما الصهيوني يدون في سلم الأولويات أيّ الوسائل أنجع للتقليد ومباشرة التنفيذ، ويمكن لفعل الجرائم أن يكشف عن أسى متجدد يلازم السوري والفلسطيني، لكن الجرائم في عهد الأسد -على الرغم من بطولة السوري الحزينة التي اقتضت سيلان دمه- ظلّت تفشل في إيقاظ الضمير العالمي. في حين نجح الأسد في بث إشعاعات الجريمة والوحشية، ونحن ندخل دورة الحزن والغرابة من مقارنة نجاحات الأسد مع تفوق العقل الصهيوني وبالعكس.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق