أدب وفنون

المعري والطين وعاصم الباشا

سأتقدّم بيدين شهيتين ..
نحو المعري ..
وإن قال:
أريدُ عينيك..
سأقولُ له ..
ولديَّ أكثر .

2
عندما تَهبّ الريح قوية..
أسند البابَ بنظرتكَ ..
وهكذا تفعلُ الأشجار أيضًا
في الخريف..
وأوائل الصيف ..
بينما تستعد القامشلي
لجلب النار ..
ليأتي الربيعُ باكرًا ..

3

بجوار قنديلي المُطفأ ..
حيثُ غرستَ رأس المعري
ستنمو حدقتي ..
كما لو أنها جذور شجرة القيقب ..
في كل مرة ..
ومن جديد ..
كلما رأيتُ البنت وردة..
العاشقة العمياء ..
وهي تبيعُ عيدان البخور للغجر ..
وهي تحصد قلبها ..
بثوبٍ أحمر متفحّم ..
أنظرُ إلى اسمكَ بينَ قصائدي ..
وأعرف..
أنَّ بإمكان الشِعر أن ينبت في الظلام أيضًا ….

4

على العشب اليابس كنا نستلقي ..
أنا والطيور الغريبة ..
نتعانق ..
كما مقبض المنجل في يد فلاحٍ سعيد ..
على أرض ٍذهبية ..
لكثر ما غنى الراعي آرو ..
عن فتاة بدوية شقراءَ ..
لا تفلتُ من شقوق يديه ..
أشعة ضفيرتها الحارقة ..
تحتَ الشمس ..
ولا حزن الأسلاف..
في مواسم حصاد القمح
حيثُ النار الرهيفة

تسهر في القلب ..
كضيفٍ عزيز جاء ..
مع الليل إلى خيام القش..
كنا نحدّق في السماء مليًّا ..
ننحت بين النجوم ..
أحلامنا ..
كما ولو أننا نعرفكَ ..
ونتنبأ غيابك الطويل ..
في النهار كنا لا نملك نحن الأطفال الفقراء
هناك ثمن الألعاب والسكر
فنخترعُ من الطين ما يجعلنا أثرياء ..
نخترعُ طريقًا ترابية قصيرة تأخذنا إلى الشام ..
عثرنا عليها ونحن نعدُّ على أصابعنا أسماءَ الكواكب..
الزُهرة.. وأخوات الأرض ..
نخترع من التراب اليابس ..
ملوك يندحرون ..
مدن تبقى ..
وأريافٌ تُصدّر الينابيعَ والشعراء ..
ونغني عن بحيرة ٍتعيش في الصحراء ..
سمعنا عنها والجدات يسردن الحكايا ..
وينسجنَ الأساطيرَ على هواهن ..
يسرجن خيلهن قربَ النبع في الأغنية ..
تُعاد كل مرة ..
وكأنها أول مرة ..
أصابعنا الغضة ..
كانت الغلال الوفيرة للأمهات المتعبات..
من الفجر وحتى المغيب ..
حزننا كنا نخزّنه بينَ مسام الطين ..
كنا نتنفّس كما سمكة ..
تعيشُ في مياه عذبة ..
وشفاهنا ترمي الضحكات على المارة ..
كما لو أنها قطع نقود ..
في جيبِ بائع الماء ..
تشتري منه النسوة ..
لينجبن رجالًا أشداءَ كالزهرة ..
5

الحبُ أيضًا نحّاتٌ أعمى ….
أعطى عينيه أكثر من مرّة

لامرأة واحدة …
هربت مع حبيبها ..
عند مجيء المحتل ..
همست خلسة..
قبلَ أن ترحل ..
لزهرةٍ مغروسة خلفَ أذنيها ..
ما أجملَ الحرب.

6

أحببتُ ريتسوس..
وكلمّا كنتُ أناديه ..
تذوبُ قصائدي ..
كما لو أنها تماثيل من الشمع ..
صنعتها أصابعك ..

7

بدموع ٍ ادّخرها في السر ..
سيقوى المعري ..
أن يقطفَ زهورًا مضيئة ..
من أشدّ الثياب ظُلمة ..
وعلى فستان أسود طويل ..
كتبَ عنه صديقي عصفور الدوري ..
بدم ِ زهرة ماتت للتو..
هناك سيعثر على عينيه ..
ويُسدل الستار على الحرب …

8

الشجرة التي تحملُ اسمي في حديقتك ..
هي أول تمثال نحتته لي الغابة ..
عندما جئتُ إلى الشِعر بقلبٍ وافرٍ من التراب ..

9

ولن يموت المعري بعد الآن ..
وقد جئتَ به إلى العالم ..
وبعينيه يحمل للنساء ..
بذور عبّاد الشمس ….

10

.. مبروك لكَ ..
هذا الإنجاز الجميل..
عينا المعري ..

…….

مبروك يا صديقي المبدع عاصم ..
يا عاصم ..
مبروك من القلب ..
وأتمنى أن تقبلَ مني هذه الهدية الصغيرة.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق