مقالات الرأي

“التقصي” الإسرائيلي لن يتكرر مع إيران

تداعت الاشتباكات الإسرائيلية – الإيرانية، التي حصلت مؤخرًا، بين شهري آذار/ مارس وأيار/ مايو، في سورية، نحو توتر يجتاح المنطقة، ولقد عبَّر الطرفان، كل بطريقته، عن الاستعداد للمضي حتى الحافة الأخيرة، بما يوحي بإمكانية تجاوز المواجهة العسكرية التكتيكية المحدودة في سورية. وفي هذا الخصوص، كان الخطاب الإسرائيلي واضحًا ودقيقًا، قبل وبعد الضربات الواسعة والقوية، التي وجهها الطيران الإسرائيلي لعشرات المواقع العسكرية التي توجد فيها الصواريخ والرادارات الإيرانية. ويتلخص الموقف الإسرائيلي بالتأكيد الدائم على أن:

“لن تسمح إسرائيل بتموضع القوات الإيرانية في الأراضي السورية، وستقوم باستخدام القوة لمنع طهران من تحقيق ذلك”. وأضافت الزعامة الإسرائيلية، مؤخرًا، على لسان وزير الدفاع ليبرمان، تحميل سلطة بشار المسؤولية عن هذا الاجتياح العسكري الإيراني لسورية؛ ما يعني وجود ضغط مباشر على السلطة المستبدة، وينطوي هذا الموقف على تهديد لبشار، فإما أن يقوم هو بتحجيم الوجود العسكري الإيراني في سورية، أو سيتلقى الضربات إلى جانب الضربات الأساسية المزمعة ضد قوات طهران في سورية وملحقاتها الميليشياوية الطائفية.

في المقابل، جاء الرد الإيراني موجهًا إلى الرأي العام “الممانع والمقاوم” المخدوع بحقيقة موقف طهران من “إسرائيل”، وليس إلى “إسرائيل” وجنرالاتها وحكومتها. فالتهديد بتدمير حيفا وتل أبيب -إذا قامت “إسرائيل” باستهداف إيران- كلام لا يعادل شيئًا في موازين القوى، وليس له مصداقية، ذلك ما أظهرته التجربة طوال فترة الانتشار الإيراني على الأراضي السورية، حتى الضربة الأخيرة المدمرة لقواعد الصواريخ ومستودعات الأسلحة النوعية التي أدخلتها إيران إلى سورية. فحتى العشرين صاروخًا (نصر الله رفع العدد إلى 55) لم يكن لها أي تأثير على الانتشار الإسرائيلي في الجولان، بينما الردع الإسرائيلي كان ناجحًا بالمعنى العسكري.

إذا كانت “إسرائيل”، بما تمتلكه من معلومات وما تقوم به من مراقبة على مدار الساعة، بحيث ترصد كل ما يُدخله الإيرانيون، برًا أو جوًا، من أسلحة للأراضي السورية، تثق بأنها قادرة على التصدي لكل ترسانة طهران التقليدية وغير التقليدية (الباليستي وصواريخ أرض جو المتطورة وسواهما)؛ فإنها بالرغم من كل ذلك لن تترك لقاسم سليماني وجنرالات الملالي الفرصةَ للبدء بهجمات، ولو أنها تكتيكية. وبالأساس تعلم “إسرائيل”، والخبراء الدوليون، أن ما تقوم به طهران من محاولات التحرش بـ “إسرائيل” من داخل سورية أو لبنان، لا يعدو كونه محاولة للحضور في مداولات التسوية في الشرق الأوسط، وأخذ مكان لها في تلك المداولات، لتدعيم مكانتها في المنطقة. غير أنها (إسرائيل) لم تعد تستهتر بأقل الإشارات التي تنذر بخطر مهما كان محدودًا، ولو باحتمالات غامضة أو مشوشة في تقييمها الأمني والعسكري، تكتيكيًا واستراتيجيًا.

ما أريد قوله، بناء على الفقرة أعلاه، أن هاجس “التقصير” يبقى حاضرًا في حاضر “إسرائيل” ومستقبلها، وهو ما يجعل المبادرة إلى الضربات الاستباقية – الوقائية، وإن كانت درجة الخطر غير أكيدة، أفضل من تكرار ما لحق بـ “إسرائيل” في حرب 1973، وهو ما اجترح له الخبراء مصطلح “التقصير”. يومها، وقبل أن تشن مصر ومعها سورية الحربَ على جبهتي سيناء والجولان، كانت تقارير استخبارية وعمليات استطلاع من الجو، تفيد بتحركات غريبة ومريبة للجيش المصري، ولولا ممانعة غولدا مائير للبدء بالهجوم الاستباقي الوقائي، الذي طلبه وزير الدفاع في ذلك الحين: موشي ديان، لما سمعنا، ربما، بمصطلح “التقصير”.

جاء “التقصير” الإسرائيلي في حرب 1973، وفق رأي موشي ديان في ذلك الوقت، بعد انتهاء الحرب بفترة وجيزة، بسبب سيادة ما أطلق عليه “المفهوم”، وقصد به أن الفكرة التي اعتمدتها غولدا مائير وبعض الجنرالات، كانت على النحو التالي:

“لن يجرؤ السادات على الهجوم، وحتى لو فعل ذلك، فإن إسرائيل قادرة على استعادة المبادرة، وسحق العدو”. وبينما أكدت مجريات الحرب على الجبهات صدقية الشق الثاني من “المفهوم”، ولو باستخدام النووي المحدود، وهو ما اعترف به جنرالات “إسرائيل” بأنهم جهزوا قواعد الإطلاق؛ أسرعت واشنطن إلى إرسال أسلحة متطورة للجيش الإسرائيلي للعدول عن النووي، لكنها لم تكن صائبة في الشق الأول. وأحال الزعماء الإسرائيليون حجم الخسائر البشرية لقواتهم في الأيام الأولى من الحرب، إلى الركون للاعتقاد المذكور، وعلى خلفية تأثير تلك الخسائر في المجتمع الإسرائيلي؛ حدث زلزال سياسي في بنية المؤسسات الإسرائيلية، واستقالت غولدا مائير من رئاسة الحكومة، وصعد نجم اليمين الليكودي برئاسة مناحيم بيغن، ليتمكن لأول مرة في تاريخ “إسرائيل” من تشكيل الحكومة في العام 1977.

في صراع “إسرائيل” المحتدم مع طهران حاليًا، وبالتحديد فوق الأرض السورية، يتوهم جنرالات الملالي أنهم قادرون على استكمال بناء قاعدتهم العسكرية هناك، والوهم الأكبر اعتقادهم أن آلاف الصواريخ لدى “حزب الله”، يمكنها أن تردع هجمات الإسرائيليين على مصادر التهديد بضربات استباقية. وهو ما قامت به “إسرائيل”، في كل مرة حاولت فيها ميليشيا “حزب الله” وضع الإسرائيليين في مرمى أسلحة الحزب، ودمّرتها قبل أن تأخذ مكانها قرب الجولان، وفي مواقع قوات بشار في العاصمة وحمص. فهل يفهم الإيرانيون وأدواتهم هذه الحقيقة، ويعملون بموجبها، بالعدول عن زج الأسلحة النوعية بكميات كبيرة فوق أرض سورية، أي أن يستجيبوا للردع الإسرائيلي، ويعدلوا عن فكرتهم في تحويل سورية إلى قاعدة لاستراتيجيتهم الإقليمية؟ أم أنهم سيتابعون تلك المحاولات، والعبور إلى مصيرهم المجهول وحصد خسارات وهزائم جديدة؟

أغلب الظن أن نظام الملالي، المحكوم لشرط التعبئة الأيديولوجية، وعلى قاعدة الفكرة السخيفة بعودة المهدي المنتظر التي لن تتم إلا في اكتمال تراجيديا الحرب والموت والدمار، سوف يمضي إلى المزيد من تأجيج الصراع، بصرف النظر عن الوقائع والمعطيات. وهو يجهل، أو يتجاهل، ولا يكترث لحقيقة أن “إسرائيل” لن تترك نفسها عرضة للمفاجأة، ولن تنتظر الهجوم لتواجه القوى المهاجمة، ومهما كانت المترتبات، فهي بنظرها لا تعادل الوقوع في “تقصير ثان”، ولن تسمح بحدوث الحرب “فوق أراضيها”.

مقالات ذات صلة

إغلاق