ترجمات

قيود الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط

فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي يصافح بشار الأسد، الرئيس السوري في سوتشي، روسيا، 20 تشرين الثاني/ نوفمبر2017، تصوير ميخائيل كليمنتييف/ رويترز

بعد مرور ثلاث سنوات تقريبًا على تدخل روسيا في سورية؛ نجحت موسكو في منع انهيار النظام. بالنسبة إلى البعض، يمثل هذا التدخل، إلى جانب زيادة المشاركة/ الارتباط الاقتصادية والسياسية في جميع أنحاء المنطقة، عودة روسيا إلى الشرق الأوسط، ومحاولة لاستعادة مستوى النفوذ الإقليمي الذي كان يتمتع به الاتحاد السوفيتي. بالنسبة إلى الآخرين، أشار التدخل إلى مقاربة زعيم جديد قوي تجاه الشرق الأوسط: قد تكون روسيا بسياستها التدخلية الجديدة مستعدة للتدخل في بلدان أخرى، حيث يكون لديها مصالح، مثل ليبيا. كلا الخطين الفكريين يرسخان/ يؤسسان روسيا كصانعٍ محتمل للملوك، ومنافس في النهب في الشرق الأوسط، وهي لاعب مركزي، ومن الممكن أن تتمكن من منافسة النفوذ الغربي. ولكن هناك خطرًا في الاستقراء من العملية السورية، وينبغي على المحللين أن يكونوا حذرين في إيلاء أهمية أكثر من اللازم لهذا الدور المتجدد. في حين أن لدى روسيا استراتيجية طويلة المدى في الشرق الأوسط، لكنها مشحونة بقيود وعوائق كبرى.

قد تبدو مقاربة موسكو تجاه الشرق الأوسط عشوائية؛ لأنها تفتقر إلى مقاربة واضحة الأهداف أو الغايات، وتركّز على المدى القصير، ويبدو -على الأقل ظاهريًا- أنها انتهازية وقائمة على المصلحة الآنية (السمسرة). لكن هذه المقاربة التكتيكية قصيرة المدى لا تُشكّل استراتيجية. يمكن القول إن هذه الاستراتيجية مناسبة بشكل جيد للدولة الروسية ما بعد السوفيتية. في ورقةٍ سابقة، وجدنا أن نية روسيا طويلة المدى تتمثل في تعظيم المزايا الاقتصادية والعسكرية والسياسية على المدى القصير في الشرق الأوسط، مع الحد من المزايا والفرص قصيرة الأجل لخصومها.

لقد أعطى تقديم سياستها الخارجية، كسياسة علمانية مصلحية آنية وغير أيديولوجية، مزيدًا من الحرية لإشراك الجهات الفاعلة المتنافسة مثل المملكة العربية السعودية، وإيران. يزيد الحياد الأيديولوجي عدد الفرص المتاحة من أجل النفوذ، والاستثمار الاقتصادي، وإذا لزم الأمر، التعطيل. تتيح هذه المقاربة المعتمدة على المورد والفرصة لموسكو أن تستغل الفرص المتاحة التي ولّدتها الديناميات غير المتوقعة والمتغيرة للشرق الأوسط، بينما تحدُّ من التكاليف والالتزامات. إن مقاربة روسيا المرنة تتناقض أيضًا بشكلٍ صارخ مع مقاربات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول الغربية الأخرى.

لكن أمام استراتيجية روسيا في الشرق الأوسط قيودًا واضحة، كما أن لها عوائق عملية حقيقية. عندما تكون الموارد والفرص الروسية نادرة، وتتضاءل الالتزامات مع دول الشرق الأوسط؛ فإن التأثير سيتناقص وفقًا لذلك. في غياب التزاماتٍ أعمق، فإن روسيا مَدينة للجهات الفاعلة الأخرى، وللديناميكيات والأحداث لخلق فرص تستغلها بسرعة. عندما تنتقل المصالح الروسية إلى اصطفافٍ مع لاعب آخر، فإن صفقات قصيرة الأجل أمرٌ سهل، وغالبًا ما تكون منخفضة المخاطر ومثمرة. لكن قيمة هذه الصفقات محدودة. قد تقدم روسيا بديلًا للغرب -وبصورة خاصة للولايات المتحدة- ولكنه ليس بالضرورة بديلًا جذابًا. إن العلاقات غير الأيديولوجية والتعويضية لا تميل إلى خلق حلفاء ثابتين. في الحقيقة، ليس لروسيا حلفاء ثابتون وحقيقيون في الشرق الأوسط.  يمكن لروسيا أن تؤثر في النتائج وتصوغها في المنطقة، لكن لا يمكنها أن تعدّ أو تراقب أجندة مهيمنة، ما لم تخاطر بتدخلٍ من جانب واحد: ينقصها أيضًا حلفاء عالميون يمكنها أن تعتمد عليهم، للمساعدة في الحفاظ على مصالحها أو تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط. في أفضل الأحوال، يمكن لروسيا الحفاظ على عدد قليل من العلاقات القائمة، وتؤثر على سلوك الدولة، وتجني الفتات من الأموال، وتعقّد خيارات السياسة الغربية في المنطقة.

تمثل سورية كلًا من منافع المقاربة التكتيكية والتجارية العرضية، وحدود السياسة الروسية وقدراتها. في سورية، منعت روسيا انهيار الرئيس بشار الأسد بتكلفةٍ صغيرة نسبيًا، كما عززت وجودها في المشرق العربي، وأعادت بناء قواعدها البحرية والجوية، ويمكن القول إنها حققت خرقًا مهمًا في التهديد السني المتطرف لها. لقد ولّدت ترتيبات المنفعة المتبادلة مع إيران وحزب الله اللبناني نتائج مفضّلة قصيرة المدى في شمال سورية. لكن انفصالًا أو انسحابًا آمنًا يبدو أكثر صعوبة وغير محتمل. والأمر الأكثر أهمية هو أن سورية هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتمتع بعلاقة استراتيجية ثابتة مع روسيا. حتى هذه العلاقة هشة، ولا ينبغي أن يتم استنتاج أي شيء يحدث في سورية لخارج حدودها.

في أماكن أخرى من المنطقة، تستفيد روسيا من استراتيجيتها غير الأيديولوجية لخلق عدد من المكاسب المؤقتة. على سبيل المثال، تمكنت موسكو من تعزيز العلاقات مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تعمّق التعاون العسكري مع إيران. لكن التناقضات المتأصلة التي يتم تجاهلها من خلال الارتباط غير الأيديولوجي تمنع بناء الثقة مع القادة الذين يريدون رؤية المنطقة من خلال عدسات خالدة: إنهم يرغبون في التزام وانسجام طويلي المدى للحفاظ على استقرار الوضع الراهن. كشفت ورش عملنا أن القادة الرئيسين في الشرق الأوسط يرون ارتباطهم مع روسيا كتهديد للشراكة الغربية، كبديل مؤقت من المرتبة الثانية للولايات المتحدة، أو كضرورة عملية للحصول على منافع اقتصادية أو أمنية قصيرة الأجل. إن المتطلبات التعويضية في هذه العلاقات قاسية جدًا، والعلاقات في نهاية المطاف عابرة. ليس من الواضح كيف يمكن ترجمة مكاسب روسيا التكتيكية في الشرق الأوسط إلى نجاح استراتيجي طويل الأجل.

يوضّح هذا الحد الأقصى من القيود على استراتيجية روسيا الإقليمية أن الذي يحدّد عمق تلك العلاقات ليس روسيا، وإنما هو دول الشرق الأوسط ذاتها، وبالتالي نتائج أي أنشطة روسية في المنطقة. تمامًا مثلما تسعى روسيا إلى الانخراط في الشرق الأوسط لمصلحتها الخاصة -سواء كان ذلك لأسباب اقتصادية أو رغبة في الوجاهة- فإن هذه الدول تسعى أيضًا للاستفادة من روسيا لمصلحتها. هناك القليل من التكاليف الاستراتيجية المحتملة على دول الشرق الأوسط لفك الارتباط عن روسيا. على المدى القصير، يمكن تشغيل العلاقات التجارية وتوقيفها حسبما تشاء. لذلك، فإن الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط هي التي تمتلك الصدارة في هذه العلاقة، وتمتلك الإرادة لتحديد حيوية ونجاح أي استراتيجية روسية، سواء على المدى القصير والطويل.

اسم المقالة الأصلي The Limits of Russian Strategy in the Middle East
الكاتب* بن كونابل وبيكا واسر، Ben Connable and Becca Wasser
مكان النشر وتاريخه مدونة راند، THE RAND BLOG، 10/5
رابط المقالة https://www.rand.org/blog/2018/05/the-limits-of-russian-strategy-in-the-middle-east.html?adbsc=social_20180522_2346721&adbid=10156818671763676&adbpl=fb&adbpr=55708608675
عدد الكلمات 864
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

*- بن كونابل هو أحد كبار علماء السياسة في مؤسسة (راند) غير الربحية وغير الحزبية، ومتقاعد من مخابرات مشاة البحرية، ومسؤول منطقة الشرق الأوسط. يركز عمله على مسائل الحرب غير النظامية ومنهجية الاستخبارات.

بيكا واسر هي محللة سياسات في مؤسسة (راند)، حيث تشمل مجالات أبحاثها الرئيسة المناورات، والأمن الدولي، والدفاع الأميركي والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

إغلاق