قضايا المجتمع

في نقد الإعجاز العلمي في القرآن – السياقات

الإعجاز العلمي لا يشكّل ظاهرة مستقلة عن سياقات ووجوده، فهناك أبعاد مختلفة لهذه الظاهرة: عقائدية وعلمية واجتماعية واقتصادية وحضارية… إلخ، وسنحاول عرض بعض هذه السياقات، للوقوف على حجم وتأثير وتعالقات هذه الظاهرة.

السياق الأول: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ليس ظاهرة مستقلة، بل هو جزء من دعاوى الإعجاز العلمي في كتب دينية أخرى، كالإعجاز العلمي في الأناجيل عند المسيحيين، والإعجاز العلمي في أسفار العهد القديم عند اليهود… إلخ. ويجب النظر إليه في سياق دعاوى العلميَّة التي ينسبها أتباع عقيدة معينة إلى عقيدتهم دون غيرها، فثمة حالة قانونية –لا تخص الإسلام فقط- تربط العلاقة بين إحدى طرائق تشكُّل العلاقة بين العقيدة والعلم، التي هي استناد العقيدة في شرعيتها إلى العلم، بدلًا من استنادها إلى نفسها، كإجابة عن أسئلة ميتافيزيقية وتلبية لحاجات نفسية وصلاحيات اجتماعية مشروعة.

السياق الثاني: في العصور القديمة والوسطى، كان الدين يؤدي دورًا مهيمنًا في البناء المعرفي للإنسان، ويلعب دورًا مهيمنًا اجتماعيًا وسياسيًا أكثر مما هو الآن عمومًا، فمعظم الدول التي قامت آنذاك هي ذات مشروعية دينية أو مشروعية دينية – عائلية، قبل تبلور مفهوم الدولة القومية والدولة الديمقراطية الحديثة، وقد التبس مفهوم العلم آنذاك بعلوم الدين والفلسفة، ولم تكن العلوم قد أسِّسَت كحقول منفصلة محكومة بالمنهج العلمي التجريبي. في تلك العصور كان الدين مهيمنًا على العلم، ولم يحقِّق العلم –لظروف موضوعية- حضورًا قويًا وازنًا، يستلزم تغييرًا في أنماط عيش البشر والعلاقات الاجتماعية، لذلك لم يكن ثمة مبرّر للتأكيد على الإعجاز العلمي، لا في القرآن الكريم ولا في غيره من الكتب المقدسة. ولكن مع تقدّم العلم والمنهج العلمي والتطور النوعي الذي حدث في مسيرة العلم، ابتداء من القرن السابع عشر في أوروبا والذي انتشر عبر العالم؛ وجد القائمون على الأديان نفسهم في وضع لم يعتادوا عليه، وبدا كأن العلم يسحب من تحتهم البساط، ويتدخّل في قضايا كانت من صلب اهتمامات الأديان، كأصل الإنسان ونشوء الكون والمرويات التاريخية… إلخ، وحيال ذلك نجد ثلاثة مواقف للقائمين بشؤون الدين والتقديس: الموقف الأول رفض الدين للمعرفة العلمية ومحاربتها واتهام أصحابها بالكفر والهرطقة، كتكفير من قال بكروية الأرض ودورانها، أو الموقف من الدارونية… إلخ. الموقف الثاني المزاودة على العلم، والادعاء بأن ما يقدّمه العلم من حقائق موجود بشكل ضمني في الكتب المقدّسة، ولم يشأ الله إظهاره للمؤمنين، كونهم لم يكونوا مُهيّئين لذلك، والآن جاء الوقت المناسب لإظهار الإعجاز العلمي في الكتب المقدّسة. الموقف الثالث هو الفصل بين حقل الدين وحقل العلم، وهذا سيستدعي تعديلات في فهم الدين، وتعزيز طرائق تشكل جديدة للدين، تهيِّئُه لهذا الدور. فبرهان الدين -تبعًا لهذا الموقف- ليس في علميَّته، حيث إنّ الدين يؤكد على البعد الجوّاني والقيمي للإنسان، وبرهان صلاحيَّته هو الارتقاء بحيوية الفرد والجماعة المؤمنة والمجتمع ككل، هذا الفهم للدين لا يتم بناءً على قراءة حرفيّة النصوص، أو بناء على قراءة تبجيليّة تقدّس التراث الديني ككل، ولكنّه يرتبط بسياقات تاريخية متغيّره جعلته ممكنًا وضروريًا، ليس لجماعة المؤمنين فقط، بل للمجتمع بكل أطيافه، فالدين –وهذا أكثر إلحاحًا في حالة الإسلام– قضية لا تخص المؤمنين بها فقط، بل هو قضية تحد تاريخي وحضاري لمجتمعات ودول وأمم بأسرها.

السياق الثالث: الإعجاز العلمي في القرآن هو جزء من تصوّر جوهراني للإسلام، ينتقل بالإسلام من عقد فئوي يُلزم الموالين له وجماعة المؤمنين، إلى مشروعية مُلْزِمَة -بقوة إلزام العلم- للبشر… كل البشر. فالإعجاز العلمي هو قرينة إلزام، بغض النظر عن التصريح بذلك أو لا من قبل مرَوِّجيه، وبما قد يعطي إشارات عنصرية وتسويقها بلبوس ديني علمي.

السياق الرابع: إمكانية توظيف مصالح الإعجاز العلمي للقرآن من قبل المسلمين، والإعجاز العلمي للكتاب المقدس من قبل المسيحيين.. إلخ، في صراعات ذات بُعْد عقائدي مُوَظَّف سياسيًا. ففي خطابات الإعجازيين من مسلمين ومسيحيين، هناك حضور للآخر العدو بشكل كبير، وهذه الإمكانية للتوظيف التبشيري والصراعي تجعل من الصعوبة إقناع المؤمنين بخطل الإعجاز العلمي، وسيُنظر إليه على نطاق واسع بأنه انحياز لصالح الأعداء المخالفين لنا، من “الملحدين أو الكفار المؤمنين بعقائد أخرى”.

السياق الخامس: لا يمكن فصل ازدهار ظاهرة الإعجاز العلمي عن السياقات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية المعاصرة. اقتصاديًا: الطفرة النفطية في دول الخليج العربي ودورها في توظيف رأس مال “دعوي تبشيري”. سياسيًا: الصراع السياسي مع قوى الهيمنة الغربية، وزيادة الطلب على أيديولوجيا إسلامية صلبة جهادية تتصدَّى “للغزو الفكري”. تكنولوجيًا: ثورة المعلومات وانتشار الفضائيات والإنترنت، وتنامي الطلب على مادة إعلامية إسلامية المحتوى مرغوبة جماهيريًا، واقتراب الخطاب الإعلامي من خطاب المجتمع أو كما يرغب فيه.

اللا جدوى العلمية والاقتصادية للإعجاز العلمي، حيث لم نجد اكتشافات أو اختراعات استُلهِمت من نصوص مقدّسة، ولم نجد حلولًا لمشاكل عملية، أو تطويرًا لثروات وموارد اقتصادية، استلهامًا من نصوص مقدسة، ولكن بالمقابل نجد جيشًا من المشتغلين والمنتفعين ماديًا ومعنويًا بالإعجاز العلمي، ونرى مؤسسات وهيئات ترعى الإعجاز العلمي ممولة من التبرعات الخيرية أو في أحيان مدعومة حكوميًا، أليس من الأجدى صرف هذه النفقات والجهد على التعليم والصحة، وتطوير البنى التحتية وهيئات الإغاثة؟! لدينا كثير من “الباحثين” في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وقليل من المشتغلين بالبحث العلمي. “الدراسات” المنشورة بالعربية في موضوع الإعجاز العلمي تقدّر بالآلاف، أما الدراسات الجادة والمبتكرة المنشورة في موضوعات علمية، فقليلة جدًا؛ فأيّ فصام واعتلال هذا؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق