أدب وفنون

فنان الكاريكاتير الهولندي “تجييرد روياردز”

ما أجمل أن ترسم عن الظلم.. وأن تجعل الناس يفكرون!

بكلمات بسيطة مع رسومه الكاريكاتيرية، استطاع أن ينتقد ويفضح السلبيات والشعارات الزائفة للقادة والدول الكبرى، مُثبتًا أن فن الكاريكاتير هو فن الصورة التي تفوق مئات الكلمات، وبريشته وألوانه استطاع أن يجسد الواقع السياسي على الساحة العالمية بشكل ساخر، محاولًا إضاءة بسمة على وجوهنا، في ظل سواد هذا العالم الذي يعاني من العنف. إنه رسام الكاريكاتير الهولندي تجييرد روياردز الذي التقيناه، وكان لنا هذا الحوار:

– يمتلك الكاريكاتير قدرة ساحرة على السخرية، وعلى ممارسة النقد ببلاغة عالية. في البداية، هل لك أن تحدثنا عن بداية رحلتك في بحور فن الكاريكاتير؟

= أحببت الرسم منذ صغري، لكن لم يكن هناك أي رابط بين ما أرسمه وما أود قوله عن العالم من حولي، إلى أن التحقت بالجامعة، فدراستي الأكاديمية كانت في مجال العلوم السياسية، وخلال سنوات الدراسة تمكّنت من خلق هذا الرابط بين الرسم والسياسة. كان أول كاريكاتير حقيقي أقدمه للناس من خلال مجلة الجامعة، كنت حينئذ في الثالثة والعشرين من عمري، وحتى هذه اللحظة ما زلت مسحورًا بتلك العلاقة بين فن الكاريكاتير وقدرته على إيصال رأيي وأفكاري إلى العالم، فما أجمل أن ترسم عن الظلم، وأن تتناول الأخطاء التي يغرق فيها عالمنا اليوم، وأن تجعل الناس يفكرون.

– كيف تأتيك فكرة الرسمة الكاريكاتيرية؟ هل هناك “روتين” محدد تقوم به عند البدء في الرسم؟

= عادةً، أبدأ عملي في التاسعة صباحًا، أول شيء أفعله -يوميًا- هو متابعة الأخبار العالمية، عادةً عبر الإنترنت، وبالتزامن أبدأ في نشر “رسمة اليوم” على موقعي الإلكتروني، وفي الغالب لا أبدأ رسمتي لليوم الجديد إلا بعد إيجاد الفكرة، معظم أفكار رسوماتي تأتيني وأنا في الفراش، حين أحاول أن أنام، أو عندما أكون في طريقي إلى العمل.

– كم مرة تقوم بالتعديل والتغيير على الرسمة حتى تصبح جاهزة للنشر؟

= في كثير من الأحيان، أضع أكثر من تصور و”إسكتش” حتى أصل إلى الأفضل والمناسب لفكرتي، كثيرًا ما يكون الأمر محبطًا، لكن في النهاية يصبح ممتعًا، عندما أصل إلى أفضل شكل لعملي الفني.

– الهدف من الكاريكاتير ليس الضحك والإضحاك فقط، بل في كثير من الحالات هو تقويم وتهذيب وإصلاح ونقد؛ لذا، أيّهما أهم بالنسبة إليك: جودة الرسمة كي تبدو هزليّة أكثر، أم عمق فكرتها؟

= عادةً، أشرفُ على ورشات عمل لتعليم فن الكاريكاتير، أحد أهم الأمور التي أخبرُ المشاركين فيها هو أن الكاريكاتير ذا الرسمة المتواضعة والقائم على فكرة رائعة، يعدّ أفضل عشر مرات من الكاريكاتير ذي الرسم الجيد والفكرة الضعيفة، ففي رأيي الرسمة تُكمل الفكرة وليس العكس.

– ثمة نوع من الهجوم المتعمد في الصحافة الغربية على الدين الإسلامي واللاجئين من بعض الدول العربية، ألا ترى أن هذا تجاوز لحرية الصحافة والتعبير، وابتعاد من مواثيق شرف المهنة؟

= أرى أن الصحافيين لديهم مسؤولية عند نقل الحقائق، فعند نقل أي خبر يجب أن تعتمد في ذلك على عدة مصادر، وأن يتم تناول كل الجوانب ووجهات النظر، وعدم الالتزام بذلك يحوّل الأمر إلى دعاية أكثر من كونه صحافة، وبالتبعية فإن الأمر ذاته ينطبق على رسامي الكاريكاتير، أنا أؤمن بحرية الصحافة، وكل صاحب رأي له الحق في التعبير عن رأيه، فالمجتمع الحر والراقي يتم تعريفه بكمّ الآراء والأفكار التي يتم التعبير عنها بحرية، وهنا يمكنني استخدام تلك الحرية لمواجهة تلك الأفكار التي أختلف معها. بالنسبة إليّ أستخدم الرسم لفعل ذلك. لكن الهجوم المتعمد على دين أو جنس أو عرق، يعدّ تجاوزًا جسيمًا، أنا ضد هذا التجاوز الذي يمارسه البعض، لكن -أيضًا- أنا ضد الحجر الكامل على الآراء أو توجيهها مسبقًا، بشأن أي قضية.

 

– هل سبق أن وصلت إليك تهديدات أو انتقادات أو ما شابه، بسبب إحدى رسوماتك السياسية؟

= في الواقع أنا -كمعظم زملائي من رسامي الكاريكاتير- تلقيت الكثير من الانتقادات على مرّ الأعوام، أتذكر الآن إحدى رسومي في عام 2014 م؛ حيث غضب الكثير من الناس بسببها، لدرجة أنني تلقيت بعض التهديدات عقب نشرها، في ذاك الكاريكاتير قارنت بين وحشية (داعش) في تعذيب المسيحيين، والكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى (محاكم التفتيش). وفي الواقع، إن الكاريكاتير الذي أغضب الكثير من الناس أثبت أنه كان فعّالًا ومؤثرًا جدًا. أنت -كرسام كاريكاتير- تحاول بكل جد أن تحصل على ردة فعل من المشاهد، لأعمالك، تحاول أن تجبره على التفكير في القضية التي ترسم عنها، تحاول أن تستفزه كي يتدبر المغزى، هذا يمكن فعله بسهولة عبر الرسم الفكاهي والساخر.

– هناك عداء مستحكم بين الطبقات الحاكمة والكاريكاتير السياسي، عداء ممزوج بالغضب والشكوى، وربما الرغبة في الانتقام؛ لذا قد يلجأ البعض إلى القانون للثأر، أو يلوذ بسلطته لكسر ريشة الرسام أو لتطويعها. برأيك ما هي العقبات والصعوبات التي تواجه رسامي الكاريكاتير السياسي؟

= من حسن حظي أنني أعيش في هولندا، واحدة من أفضل الدول في العالم، عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الحرية، فنحن في دولة ضمن الثلاثة الأوائل في مؤشر حرية الصحافة العالمية كل عام، لكن هناك الكثير من رسامي الكاريكاتير يعيشون ويعملون في بلدان، لا تتوفر فيها هذه الحرية، وتلك عقبة كبيرة بالنسبة إليهم، حيث يحتاجون إلى التفكير بحرص حول ما يرسمونه. عقبة أخرى تواجه كل رسامي الكاريكاتير ألا وهي: كيف تجني المال من الكاريكاتير، فالصحافة المطبوعة في انخفاض منذ سنوات، على الرغم من أن الكاريكاتير مزدهر عبر الإنترنت، إلا أن العائد المادي لذلك يكون قليلًا، وتلك مشكلة يعاني منها الكثير من الرسامين.

– تختفي الأحرف والكلمات من رسوماتك؛ إذ تعتمد بشكل كليّ على فكرة الرسم، فما هو السر؟

= كما أقول دائمًا جوهر القوة في الكاريكاتير يكمن في قدرته على التواصل بصريًا مع المتلقي، في أن يكسر حواجز اختلاف اللغات، لذلك فإن أكثر ما يشغلني، عندما أبدأ في إنجاز أي عمل، هو كيفية وصول رسالتي للجمهور بأقل عدد ممكن من الكلمات، أو حتى من دون كلمات أساسًا.

 

– من الذي يعجبك أسلوبه من فناني الكاريكاتير الحاليين؟

= في الواقع، أنا لست متأكدًا مما إذا كان أسلوبي متأثرًا بشكل مباشر بأيٍ من الرسامين، لكن ما هو مؤكد أنني قد تَأثرت وأُلْهِمت من عدد كبير من الرسامين، مثل Kevin Kallaugher في الإيكونومست، أو مثل Patrick Chappatte في نيويورك تايمز، فمستوى أعمالهما هو المستوى الذي أطمح في الوصول إليه دائمًا.

– هل تتابع رسامي الكاريكاتير العرب؟

= هناك العديد من رسامي الكاريكاتير الموهوبين في الوطن العربي، وأنا من المحظوظين كوني ضمن من يديرون موقع cartoonmovement.com، حيث يتم نشر كثير من الرسومات الكاريكاتورية. ثورات الربيع العربي نجحت في خلق جيل جديد من رسامي الكاريكاتير القادرين على التعبير عن مجتمعاتهم، وكشف مكامن الخطأ الموجودة بها.

– أخيرًا، ما نصائحك لفناني الكاريكاتير المبتدئين؟

= العمل الجاد، فتلك المهنة ليست سهلة، كما أن طريقها وعرة. إذا أردت أن تصبح رسامًا ناجحًا؛ فعليك الاهتمام بالفكرة وتأثير الكاريكاتير، والعمل دائمًا على تطوير أسلوبك الشخصي، وما تود قوله يجب أن تقوله بأفضل صورة ممكنة.

 

* (تم إجراء الحوار عبر الإنترنت)

* (ترجمة الحوار: أحمد مصطفى الغـر)

مقالات ذات صلة

إغلاق