مقالات الرأي

روسيا التي لا يمكن فهمها بالعقل!

تلك عبارة قالها أحد الشعراء الروس في القرن الثامن عشر، تعبيرًا عن أن الإنسان الروسي لا يمكن فهمه بشكل منطقي وعقلاني بل بشكل نفسي وعاطفي. ومن المسائل الفكرية والسياسية العميقة التي تحدث عنها المثقفون الروس، الهوية القومية وعلاقة الإنسان الروسي بالحاكم، وعقلانية الروس وتعاملهم مع القيم الإنسانية. نعرض هنا آراء الباحث الروسي ألكسندر تسيبكو، وهو دكتور في الفلسفة وباحث في أكاديمية العلوم الروسية (معهد الاقتصاد)، حيث نشر مقالة في صحيفة (نيزافيسيمايا غازيتا) بتاريخ 17/ 5/ 2018 بعنوان: (اللاعقلانية التي أصبحت سمة قومية للروس).

ظهرت اللاعقلانية في كل مراحل تاريخ روسيا، وأصبحت سمة قومية للروس. ويبدأ الباحث بمثال، وهو فوز السياسي فلاديمير جيرونوفسكي زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي في انتخابات عام 1993، الذي يعرف الجميع أنه أحد أبرز الشخصيات المحسوبة على “المعارضة”، وأن حزبه يشارك باستمرار في مجلس الدوما (البرلمان)، لكنه عمليًا يدور في فلك الكرملين (يذكرنا بأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في سورية).

يقول تسيبكو: ألا يُعدّ ضربًا من الجنون أن يفرح الشعب الروسي لمعاداة الغرب، الذي يتفوق علينا 20 مرة في تقدمه الاقتصادي والعلمي، وأن يزداد الشعور المعادي لروسيا أكثر مما كان أيام الحرب الباردة! وكلما زاد الحب الشعبي للحاكم الروسي؛ رأى نفسه قيصرًا ذا سلطة مطلقة. وأحداث القرم خير دليل على ذلك مع حركة “القرم لنا”.

ويورد مثلًا آخر: في روسيا، حيث تتدهور الأحوال المعيشية، ويزداد عدد الجائعين والفقراء، يعرض التلفزيون بكل فخر قومي كيف تقوم البلدوزرات بهرس أكوام من اللحوم والأجبان المستوردة بطريقة غير شرعية؛ لأنها تدخل ضمن قائمة المواد الغذائية التي تمنع الحكومة استيرادها من الدول التي وافقت على العقوبات ضد روسيا.

ويذكّر الكاتب بمهزلة الاحتفال في مجلس الدوما، مع شرب الشمبانيا بفوز دونالد ترامب برئاسة أميركا. ويضيف: نحن نفهم تمامًا كيف أصبحت بلادنا، كإيران وكوريا الشمالية، مكروهة ومنبوذة من قبل الأميركيين، بعد تدخلنا العسكري في أوكرانيا.

يعتبر الكاتب أن الميل نحو تدمير الذات أقوى من الإعمار والبناء في روسيا على مرّ التاريخ. ويبدو أن الروس هم أتباع فكر نيتشه أكثر من الألمان. وتبدو فكرة الحرية في روسيا على أنها، قبل كل شيء، الحق في اللامعقول والمستحيل والفعل اللامنطقي وتحطيم الشروط الطبيعية للتطور والحياة.

لا يفهم الغرب بالضبط ماذا تريد روسيا في أوكرانيا؟ فما يجري من عقوبات وعزل لروسيا من قبل الغرب لا يهدد تنمية المجتمع فحسب بل الأمن القومي في جانبه العسكري. ويفرح الروس لذلك، علمًا أن توحيد روسيا وروسيا البيضاء وروسيا الصغرى أصبح شبه مستحيل.

المشكلة في اللاعقلانية الروسية هي أنها تكتسب طابعًا مقدسًا، أو فكرة قومية، وواحدة من قيم المجتمع التي تشهد على قوة الروح الروسية. وكما قال الكاتب الكبير فيودور دوستويفسكي: “فقط في روسيا يمكن أن يضرب الأب والأم ابنهما حتى الموت، وكذلك أن يرمي الرجل الروسي السكران زوجته الحامل من فوق المدفأة الروسية” (يصل ارتفاعها إلى مترين). ويعتقد الباحث بأن المفكر بيتر تشادايف كان الأقرب إلى فهم معنى الحياة الروسي، التي تكمن في “تقديم مثل مهم للعالم”. ويسقط الكاتب نظريته على السياسة الخارجية الروسية الحالية، ويعتبرها مناقضة لإيجاد ظروف طبيعية للتطور والوجود في العالم المعاصر.

أليس نوعًا من اللاعقلانية والجنون القول (الذي ورد على لسان سيرغي إيفانوف) بأن روسيا تستطيع أن تجابه الفيل الأميركي. والجميع يعلمون أن القدرات الأميركية تفوق روسيا مرات ومرات.

كذلك تأتي تصريحات نائب رئيس مجلس الدوما (البرلمان) الروسي بيتر تولستوي (مقدم برامج سابق، وقد شاركتُ في برنامجه عام 2015، فاستغرب جدًا أنني -بوصفي سوريًا- أقف ضد التدخل العسكري الروسي، عندئذ قلت له إن روسيا تدعم بشار الأسد وهو أكبر إرهابي في سورية، وقد شاهد هذا الفيديو نحو 600 ألف شخص).

يدعو البرلماني تولستوي إلى الامتناع عن استخدام الدواء الأميركي الحديث، والمعالجة بقشرة شجرة البلوط. ويعلق الكاتب بأن هذه الآراء هي نموذج لتفكير وعقلانية معينة تميز الروسي. ويتساءل الكاتب ما هو المنطلق لهذا التفكير الذي يصفه صاحبه بالوطني والقومي. إنه يدمر الحياة، ويعبّر عن كره هؤلاء الناس لشعبهم وللإنسانية.

ثم يورد الكاتب مثالًا حول تحطيم الاتحاد السوفيتي عام 1991، بذريعة قيام دولة روسيا الاتحادية ذات السيادة. فهل يعقل أن تُحطَّم دولة كالاتحاد السوفيتي ليبقى نحو 20 مليون روسي خارج روسيا الحالية، وتبقى كييف أم المدن الروسية، ومدينة المجد الروسي سيفاستوبول خارج روسيا، كما يقول الناس: كفى إطعام القوقاز وجمهوريات البلطيق وآسيا الوسطى. فسيادة روسيا المعاصرة حطمت تاريخًا صنعته شعوب تقطن في الاتحاد السوفيتي، ومنها عيد النصر على النازية الألمانية. إن إعلان روسيا المعاصرة كدولة ذات سيادة يتضمن تحطم “العالم الروسي”.

أليس عجيبًا وغريبًا أن يقوم الروسي بتحطيم الاتحاد السوفيتي، لتكون شبه جزيرة القرم خارج روسيا، ثم يقوم هؤلاء الناس، الذين دعموا تحطيم الاتحاد السوفيتي، بإرجاع القرم بتبعاتها المعروفة التي جلبت المصائب على روسيا! وكيف انتقل الكثير من الساسة الروس، من تأييد غورباتشوف المهزوم، إلى الولاء ليلتسين المنتصر، بالرغم من أن يلتسين اتبع سياسة لا وطنية.

ويشير الكاتب إلى عملية قصف البرلمان الروسي، في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1993، باعتبارها أصبحت منطلقًا للسياسة الخارجية الروسية (باعتبارها ضرب للمؤسسة التشريعية). كما أن سياسة غايدار الإصلاحية دمّرت روسيا (غايدار قاد الحكومة الروسية في التسعينيات في عملية الخصخصة وتحطيم أسس الدولة السوفيتية). وباختصار: إن السياسيين والشعب -يتابع الكاتب- لا يستطيعون التعايش بسلام مع الحقيقة والعقل الرزين.

يعتقد الكاتب بأنه لو بقي القرم والدنباس (شرقي أوكرانيا) كالسابق؛ لكان ولاء أوكرانيا لأوروبا أقل ومثله العداء لروسيا. ويضيف أن صواريخ (الناتو) إذا نُشرت في أوكرانيا؛ فستكون أقرب لموسكو منها لو نصبت في سيفاستوبول الواقعة في القرم. ويرى أن ضمان الأمن في الوقت المعاصر لا يقاس بكبر مساحات الدول ولا بكثرة الخلجان والموانئ، بل بالتطور الاقتصادي والتكنولوجي الذي ينتج الأسلحة الحديثة.

وتذكرني هذه الفكرة بكلمات العالم الأميركي الذي حضر منتدى فالداي للحوار في موسكو منذ سنتين، حيث قال: “أنتم في روسيا تريدون فقط شراء الحليب، ولا تريدون اقتناء البقرة لتعطيكم الحليب”. وأضاف أن “مشكلتكم ليس في التكنولوجيا بل في النظام الذي يقيد حرية النشاط الاقتصادي والسياسي، باختصار بغياب الديمقراطية”.

يقول الكاتب: انظروا إلى كل العمليات العسكرية التي قامت بها روسيا خارج حدودها. ماذا جلبت لروسيا من خير؟ كلما ازدادت قوة الدولة الروسية؛ ازدادت تبعية المواطن الروسي وخضوعه وتقديسه للحاكم وقراراته، مما يؤدي إلى فقدان الحاكم للقدرة، على حساب النتائج السلبية للقرارات (على مبدأ فرعون).

لكن كثيرًا من الروس يرون أنه لا يمكن تحقيق النظام والاستقرار، من دون سلطة قوية. وهناك لامبالاة كبيرة بين الناس تجاه ما تفعله السلطة، بذريعة أن السلطة لا تسأل أبدًا المواطن عن أي شيء. (أضيف هنا أن الروس منذ قرون معتادون على فكرة أن هناك تقسيمًا للوظائف والمسؤوليات في البلاد؛ فالفلاح مهمته العمل في الأرض، والمسؤولين في الدولة يحكمون، وهكذا لا يتدخل أحد في نطاق عمل الآخر؛ وتصبح السلطة شأن فئةٍ من الناس). وهذه النظرة اللامبالية تجاه الشأن العام يضاف إليها قوانين فرضتها الحكومة في السنوات الأخيرة، تقيد الحريات وتهدد الناشطين. فمثلًا يمكن اعتقال مواطن لأنه كتب بوستًا أو نقل بوستًا في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن الرقابة اعتبرته مشجعًا للإرهاب. وهناك أمثلة عديدة على اعتقال شبان وشابات، لأنهم كتبوا أشياء اعتبرتها السلطة المختصة مهددة لأمن البلاد، أو أنهم من الطابور الخامس. ولذلك تعمق شعور اللامبالاة بين الناس، التي أصبحت تخاف من الحديث في الشأن العام. حتى خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كان هناك أناس خافوا الجلوس في بيوتهم، لخوفهم من التعرض للمساءلة، باعتبارهم معادين للقيادة الحالية وبالتالي معادين لروسيا.

يستنتج الكاتب أن روسيا في مأزق. ويقول إن ما يجري هو انتزاع لإنسانية الروسي، وتحويله إلى عدو لقيم الحرية والحقيقة، بل حتى -وهذا الأخطر- لقيمة الحياة الإنسانية. ويذكّر الكاتب بأن تعاظم دور السلطة في روسيا اقترن باختفاء قيم الاشتراكية الإنسانية التي كانت موجودة في الاتحاد السوفيتي. وكأننا نعيد الاعتبار للحقبة الستالينية المعروفة، بالرغم مما شهدته من انتهاكات لحقوق الإنسان. ويتنامى شعور بأنه من أجل القيم المثالية الكبرى، لا مانع من قتل وتجويع الملايين (أغلب من تحدثنا معهم من الروس عن الجرائم في سورية، وقتل الآلاف والتدمير الفظيع الحاصل نتيجة القصف، قابلونا بلامبالاة وبرودة عجيبة لم نفهمها).

وأذكر هنا قول القسيس المعروف تشابلين (كان مسؤول العلاقات الخارجية في البطريركية الروسية): إن تدمير المدن المليونية مبررٌ للقضاء على الإرهاب. وهو نفسه وصف الحرب الروسية في سورية بـ “المقدسة”. وهذا يعني أن هناك من يبرر أي عمل تقوم به السلطة، ولو كان مناقضًا لقيمهم مثل رجل الدين المسيحي، بالرغم من أن الدين المسيحي هو دين التسامح والسلام.

ويذكر الكاتب بأن بعض الكتاب والمفكرين الروس كتبوا عن “الروح الروسية” المعادية للحرية، ليس لأنها لا تريد تحمّل مسؤولية أعمال الحاكم الروسي، ومن ضمنها تلك التي ترقى إلى مستوى الجرائم، بل لأنهم لا يحبون الحقيقة، ولا يريدون أن يسمعوا أو يروا أي شيء ينال من ثقتهم المطلقة بالحاكم المحبوب، الذي لا مثيل له في الدنيا. وكيف ينسجم مع العقلانية كلام مسؤول روسي: “لا توجد روسيا بدون بوتين”. (على مبدأ الأسد أو نحرق البلد).

ونذكر القصة التي حدثت أيام خروتشوف، عندما قدم أحد الحضور في القاعة ورقة يسأل فيها: لماذا كنتم تسكتون عن جرائم ستالين؟ فقال خروتشوف: من كاتب هذه الورقة؟ فلم يرفع أحد يده. فرد عليه خروتشوف: لقد كنا مثلك الآن. وقد صرّح الرئيس بوتين منذ فترة قريبة، وهو يتحدث عن أحدث الصواريخ الروسية: ماذا يساوي العالم من دون روسيا؟

ويذكر الكاتب نكتة سوفيتية تدل على عقلية الإنسان الشيوعي الروسي. قال المسؤول الحزبي لرفيقه العامل: “يا إيفان غدًا سيعلقون مشنقتك. فرد العامل: هل أحضر معي الحبل أم ستقدّمه اللجنة الحزبية”.

ويحذر الكاتب من استمرار العزلة الروسية والسعي الدائم لإلقاء اللوم على العدو الخارجي (الغرب – داعش…) فهذا قد يؤدي إلى قتل أي روح إبداعية لدى الروس، وتصبح هذه الفكرة مادة لتبرير أي فعل تقوم السلطات.

ويضرب مثلًا جديدًا: انظروا إلى أرمينيا القريبة من بلادنا. لقد نجحت المعارضة بشكل سلمي في تغيير رئيس الحكومة، لكن روسيا غير قادرة على فعل الشيء نفسه. ولا يتوقع تغيرًا إيجابيًا، ما دامت السلطة هكذا. ويشير إلى أن ديمقراطية التسعينيات من القرن الماضي أدت بالنتيجة إلى نظام الحكم الحالي.

مقالات ذات صلة

إغلاق