هموم ثقافية

نقوش أولى في أبجدية الحرية

  • أضحك وأبكي في الظلام وأكتب في الظلام، وكلما قُرع باب أو تحركت ستارة؛ سترت أوراقي بيدي كبغيّ ساعة المداهمة! من أورثني هذا الهلع؟

محمد الماغوط

 تحققت نبوءته بعد سنوات من رحيله بشكل غير متوقع، ولم يعُد ثمة ما يفصل جثث الموتى عن أحذية المارة، دُمّر البلد على يد نظام قبِل تكريمه، وهو الثائر على كل الأنظمة والرافض التصالح معها أو صداقتها، فقط لأن تلك الملايين الثلاث كانت بمثابة الشعرة التي تُعدّ مكسبًا من دولةٍ تأخذ ولا تعطي أبدًا، هكذا كانت رؤيته لدمشق ونظامها، وهكذا وصفها في أحد حواراته.

لم يمُت متسكعًا، كما يحدث للشعراء عادة، ولم تهبه تلك الرعاية الأمان يومًا، ولا قلصت من حجم الخوف الذي سكنه منذ أول مرة دخل السجن فيها، بل أصبحت مثارًا للتقولات والشبهات، فكيف لشاعر ثائر تغنى بالأرصفة التي كانت ميدانًا لبطولاته، أن يموت في سريره وبيته، معززًا مكرمًا، وكأن قدر الإنسان العربي أن يطارد في حياته ومماته، وأن تبقى الشكوك والتهم مرافقة له أنى يمّم وجهه!

كان الماغوط غاضبًا من كل شيء، ولم يكن غضبه إلا لأن الحب في هذا العالم قد نضب، ولأن زنزانة هذا العالم ما زالت تتسع لسجين رأي، ولأن أرصفة هذا العالم ما زالت تزدحم بالفقراء والمشردين، ولأن الحرية، بمعناها الشخصي والعام، ما زالت عصية على العرب وبعيدة عنهم بُعد الثريا عن الثرى.

وحين قال له أحد أصدقائه بتخابثٍ، إنه دخل جنة الانتماء، وانتهى غضبه من الأنظمة؛ قفز عن كرسيه كالملسوع مؤكدًا له أنه لا يستطيع الانتماء، حتى إلى فروة رأسه أو لون شعره.

يراه البعض مجموعة من النقائض! فلا هو موالٍ ولا معارض. شاعر يتكلم بثمن، ويصمت بثمن أكبر، وتلك الأعمال التي لا ترضيه كثيرًا لا يضع موافقته عليها، إلا وهو على حواف الغيبوبة.

ريفيّ لجوج، تلقائي وسريع، لم تسمح له هموم حياته الصغيرة أن يكتب الشعر الموزون والمقفى، فالشعر قبله كان للنخبة، يرقد في بروج عاجية، يتناول الإنسان ومشاعره وتاريخه، ولكن في صيغٍ متعالية، وحين أتى الماغوط نزل به من عرشه إلى الشارع؛ ليكون قريبًا من الناس وهمومهم، وعندما بدأ الكتابة، لم يكن يعرف أنه يكتب شعرًا، بينما الشعراء الآخرون يكتبون كلامًا عاديًا، ظانين أن ما يكتبونه هو الشعر، وكل ما سواه ليس بالشعر، ولا يمت له بصلة.

تقول عنه زوجته الشاعرة سنية صالح: (مأساة محمد الماغوط أنه ولد في غرفة مسدلة الستائر اسمها الشرق الأوسط، ومنذ مجموعته الأولى (حزن في ضوء القمر) وهو يحاول إيجاد بعض الكوى، أو توسيع ما بين القضبان والنوافذ، ليرى العالم، وليتنسم بعض الحرية).

لكن قلمه كان دومًا يورده المهالك، ويوشك أن يقوده إلى حتفه. سُجن وطورد، ولم يترك رصيفًا إلا مرغه بأوحاله.

قصائده تنحاز دومًا إلى التفاصيل الصغيرة، إلى اليوميّ والعادي والرتيب من حياتنا، وهنا تكمن شاعريته التي لم يختلف اثنان عليها، وعن هذا الشرق وظلامه وفضائحه وهزائمه، كتب أشعارَه كلها بأعصابه وحرائقه الدائمة الاشتعال، وظل يتأرجح بين العناد الأقصى والإحباط الأقصى.. ومن خلال تنقيبه في تفاصيل الحياة اليومية المعجونة بالوجع والقهر والظلم؛ استطاع أن يرسم صورة للتاريخ العربي المرصوص بالفجائع والنكبات والخسارات المتلاحقة. وهو رجل القضايا الخاسرة بامتياز، كما يقول عن نفسه، يمشي بالاتجاه المعاكس لأصدقائه، يمتلك مخزونًا من الحزن لا ينضب، يضاهي مخزون النفط الاحتياطي لدى العرب قاطبة.

كانت أحلامه في بداية حياته تتلخص بأن يتزوج ابنة عمه أو خاله، وينجب منها أولادًا، ويعيش في الضيعة ويدفع (بدل عسكرية)، لكن الآية انقلبت ودخل حزبًا لم يقرأ من مبادئه حرفًا، وذلك من أجل مدفأة وجدت في مقره، وهذا الخيار كان بوابته الأولى التي أفضت به إلى السجن، السجن الذي كرس في أعماقه الخوف، وكل ما حصل عليه فيما بعد، لم يرمم ما جرى تمزيقه وإتلافه في السجن، فإذا كتب مات من الخوف، وإذا لم يكتب مات من الجوع.

حتى السلطة التي طاردته تعبت في النهاية وسئمت، وقررت اعتباره مشروعًا يمكنها المساهمة فيه، وأشعاره التي كان لها دور كبير في تعبئة المتلقي وتجهيزه فكريًا نحو التمرد، بوجه واقعه المرير طيلة عقود، من خلال نقده للظواهر السلبية في النظام، تم التغاضي عنها، واعتبارها تنفيسًا عمّا يعتمل في نفوس السوريين، أو “فشة خلق”، كما يقال في العامية. بل إن البعض يعُدّه ظاهرة مدروسة موافقًا عليها، ومن هنا جاء احتفاء النظام به.

ومهما اختلفت الآراء فيه؛ يبق الماغوط وأشعاره ظاهرة متفردة، متمردة، لاقت قبولًا لدى العرب، من المحيط إلى الخليج، وكانت كالفأس التي بدأت تضرب عروش الطغاة، وشكلت المحاولات الأولى في أبجدية الحرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق