قضايا المجتمع

عن ظروف اعتقال رنيم معتوق(*)

عندما اعتُلقت رنيم معتوق ابنة المحامي البارز خليل معتوق، بتاريخ 17/ 2/ 2014، لم تكن تُمارس أي نشاط سياسي، بل كانت تتابع دراستها الجامعية في كلية الفنون الجميلة، إضافة إلى سعيها الحثيث لمعرفة مصير والدها الذي اعتُقل بتاريخ 2/ 10/ 2012، حيث بقيت معتقلة نحو ستين يومًا، وبتاريخ 15/ 4/ 2014، أحيلت إلى محكمة الإرهاب مع ثلاثة من رفاقها الذين اعتُقلوا معها، وهم المحامية جيهان أمين والناشطة أمل نصر والطبيب حسن، بينما لم يعرف مصير الشاعر ناصر بندق الذي ما زال معتقلًا حتى الآن، بينما تم قتل الناشط مروان الحاصباني تحت التعذيب. حاولتُ جاهدًا الإفراج عنها مع زملائي المحامين في أسرع وقت ممكن، إلا أنّ القاضي الناظر في قضيتها استمهل الإفراج عنها حتى تاريخ 11/ 6/ 2014.

بعد عدة أيام من الإفراج عنها، زرتُها مع عائلتي في منزلها الكائن في بلدة “صحنايا” الكائنة جنوبي مدينة دمشق، وعلى الرغم من فرحتها بإطلاق سراحها فإن حزنًا عميقًا بدا ظاهرًا على محياها، وعندما سألتها عن ظروف اعتقالها؛ لم تشأ الحديث عن ذلك إلا قليلًا، وفي كثير من الأحيان، كانت تبدو شاردة الذهن.. لم أشأ أن أجبرها على البوح بما حدث لها، في فرع المخابرات العسكرية 227 حيث كانت معتقلة.

بعد عدة أشهر، التقيت بها صدفة في شارع الحمرا في بيروت، وفاجأتني بقولها إنها غادرت سورية نهائيًا، لم تعد تحتمل الضغوط الهائلة التي كانت تتعرض لها، وأذكر حينذاك أن السيدة “يارا بدر” اصطحبتنا معها إلى منزلها الذي استأجرته في الأشرفية، حيث تركت لنا منزلها، وغادرت إلى منزل السيدة صباح حلاق في بيروت.

في تلك الليلة، حاولت دون جدوى إقناع رنيم بالحديث عن ظروف اعتقالها، إلا أنها كانت تصر على الصمت، وكأنها تخبئ شيئًا أو تخشى من شيء ما، إلى أن قمت باستفزازها عمدًا بقولي لها: “هاي ابنتي اعتقلت مثلك وخرجت قوية”، عندئذ انفجرت في وجهي والدموع تسيل من عيونها بغزارة، وقالت لي هل ابنتك تعرضت لما تعرضت له؟ وهل شاهدت جثثًا محروقة؟!

حاولت تهدئتها بالقول: “لم أقصد التقليل منك، بل من أجل أن تفتحي قلبك وتفجري ما بداخلك، فلا يجب أن تبقي تحت تأثير ما حدث معك في الاعتقال، لا تخجلي! حدثيني عمّا حدث، الحديث سوف يريحك ويساعدك في الخروج من أسر المعتقل فعلًا”. صمتت قليلًا، والدموع لا تزال تنهمر من عينيها، ثم بدأت تحكي لي ما حدث معها، منذ لحظة اقتحام عناصر الأمن منزلَهم في صحنايا، واقتيادها مقيدة اليدين إلى الفرع 227 السيئ الصيت والملقب بفرع المنطقة، حتى إحالتها إلى سجن عدرا للنساء، وأذكر أنها استمرت في الحديث حتى بزوغ الفجر.

مما قالته رنيم، في تلك الليلة، عن ظروف اعتقالها في زنزانة ضيقة: “وضعوني مع عشرات النساء في مكان ضيق، طوله ثلاثة أمتار بعرض مترين ونصف المتر، وكنا نسمع أصوات الآلام المنبعثة من مكان احتجاز الرجال التي لم تكن كافية لإسكات الخوف المنبعث بين المنفردات، وكانت رائحة الموت والجروح المتقرحة تصل إلينا كهبّات الريح، كلّما قاموا بفتح وإغلاق باب القسم الذي يُحتجز فيه الرجال”.

وأضافت قائلة: “كنّا نشاهد السجّانين وهم يمرّون بمحاذاة زنزانتي ينقلون جثثًا من قسم الرجال، وفي إحدى المرات أخرجونا إلى الحمام، ويا ليتهم لم يخرجونا، فقد كان منظر الجثث مرعبًا ومخيفًا وهي مرمية في أرض الحمام، لم أستوعب أن أرى جثة محروقة. لقد صُدِمت بتلك المناظر المرعبة التي كانت كفيلة لوحدها بأن تذهب بعقل أي إنسان يراها”.

كم كان الأمر مؤلمًا وصادمًا لي، عندما أخبرتني رنيم أنها شاهدت الصديق مروان حاصباني، وهم يضعونه في كيس في الممر بين الزنازين بعد قتله تحت التعذيب، وأنها انهارت لحظة رؤيتها لذلك المشهد المرعب، ولم تعد تدري ما يحدث حولها.

ثم ختمَت كلامها بسؤالي: “هل شاهدت جثة محروقة؟”، قلتُ لها: “لا، ولا أريد مشاهدة ذلك، ثم تابعت كلامها: لقد شاهدت جثة محروقة، عندما طلبوني إلى التحقيق، ويبدو أنهم تقصدوا أن أشاهد ذلك المنظر المرعب… في ذلك الحين لم أعد أذكر أنه بقي لدي عقل… لم أعد أرى أمامي بدأت أهذي من هول ما رأيت”.

في هذه اللحظة، لم أستطع التفوه بأي كلمة، لقد اهتزّ كياني ورُبط لساني، وتاهت عيناي في تصور تلك المشاهد، لم أعد أعرف ماذا أقول، والدموع تحرق عيني. بينما كنت في قرارة نفسي أقول: تُرى لو تعرضتُ لمثل ما تعرضتْ له رنيم هل كنتُ خرجتُ حيًا؟

إن قضية المعتقلين والمخطوفين والمفقودين يجب أن تبقى حيّة في قلوبنا وعقولنا، وإن أي حلّ للقضية السورية دون أن يأخذ في الاعتبار حل هذا الملف الإنساني، وتحقيق عملية انتقال سياسي جدّية تفضي إلى زوال الاستبداد وقيام دولة ديمقراطية، هو كمن يبقي الجمر تحت الرماد؛ لأن نظام الأسد معروف عنه أنه لن يسمح بإجراء أي تغيير حقيقي في طبيعة نظام الحكم في سورية، وهو منذ اليوم الأول لانطلاق التظاهرات الشعبية ضده، في آذار/ مارس 2011، رفع شعار “الأسد أو نحرق البلد”، وشهدنا تطبيقه على مدى السنوات السبع الماضية، وهو الذي لم يوفر أي جهد في تدمير الحجر والبشر واستجلاب التدخلات الدولية من كل حدب وصوب، رفضًا لأي تغيير أو حتى إصلاح في بنيته.

لنعمل ما بوسعنا، ولنصرخ بأعلى أصواتنا، طالما يوجد معتقل واحد، سواء في سجون وزنازين النظام، أو من تبقى في سجون المعارضة المسلحة.

(*) رنيم معتوق هي ابنة المحامي المعروف خليل معتوق، المعتقل منذ تاريخ 2/ 10/ 2012، وما زال مصيره مجهولًا منذ لحظة اعتقاله، وهو الناشط المعروف في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وقد دافع عن آلاف المعتقلين، حيث كان يشغل قبل اعتقاله منصب المدير التنفيذي للمركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية، ورئيس هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير في سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق