مقالات الرأي

هل انتهت الثورة السورية أم بدأت الآن؟

حين انطلق الطفل حمزة الخطيب مع مئات الأشخاص من بلدته الجيزة، بهدف فك حصار جيش النظام السوري عن مدينة درعا، لم يدُر في خلده الطفولي أنه سيواجه الاعتقال والتعذيب حتى الموت، وكل ما خطر له أن يُقدّم ما حمله من غذاء ودواء للمحاصرين، والعودة إلى أهله سعيدًا بإنجازه، تمامًا مثلما فعل قبل أشهر من تاريخ استشهاده في يوم 29 نيسان/ أبريل 2011، حين طلب من والده مئة ليرة سورية ليمنحها لرجل فقير مشرد كان يعيش وحيدًا على حدود بلدته.

كان في سن الثالثة عشرة، عندما أطلقت عناصر المخابرات الجوية الرصاص على ذراعيه وحطموا جمجمته، وقطعوا عضوه الذكري، وحرقوا جلده بأعقاب السجائر، وقبل ذلك في دمشق، قامت تظاهرة محدودة بتاريخ 15 آذار/ مارس 2011، لم يحلم الشبان والشابات الذين تنادوا إليها عبر (فيسبوك) بأكثر من الضغط على النظام ليصلح نفسه، ويتخلص من فساده ويقترب من الديمقراطية، لكن التظاهرة انتهت بإطلاق النار على المتظاهرين واعتقال قادتهم.

ما حدث في درعا قبل ذلك التاريخ وبعده، وما حدث في معظم مدن وبلدات وقرى سورية من تظاهرات عارمة، كان تعبيرًا عفويًا عن السخط الشعبي على فساد السلطة وقمعها للحريات، واستئثارها بثروات الوطن، ولم تكن تلك الأحداث مخططًا لها من قِبل أي أحد، لا في داخل البلد ولا في خارجه، كما روّج النظام، بل كانت مفاجِئةً بتسارعها وحجمها وانتشارها حتى للمشاركين في صنعها، فضلًا عن مفاجأتها للسلطة القمعية البهيمية، التي واجهتها بهمجية بعيدة كل البعد من سياسة الحاكم الواعي في مواجهة الغضب الشعبي.

في المقابل، فإن ذلك الغضب الذي استثارته جرائم النظام في قتل وسجن المتظاهرين وتعذيبهم، لم تستثمره قوى سياسية عاقلة، لتوجهه في طريق تودي إلى تحقيق هدف الحرية، وبالتأكيد فإن تلك القوى كانت مبعثرة نتيجة غياب الأحزاب السياسية الوطنية المعارضة، الممنوعة أصلًا خارج إطار حزب البعث الحاكم، وما يُسمّى “أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية” التي كانت مجرد واجهة لا قيمة لها ولا إرادة، كذلك افتقرت الثورة إلى منظمات مدنية مؤثرة تُعنى بالفكر والثقافة، نتيجةً لتدجين الأدباء والفنانين والصحفيين في منظمات شبه حكومية، تتحكم السلطة الأمنية في تشكيلها وانتخاباتها ونشاطاتها، إلى جانب قانون الطوارئ الذي يمنع اجتماع أكثر من أربعة أشخاص.

في ظل هذه الحال التي غابت فيه القيادات الواعية، أصبح الموجه للشارع المتظاهر هو العواطف والرغبات، التي كان قادة المتظاهرين يحولونها إلى هتافات مطلبية تحولت بسرعة من الإصلاح، إلى إسقاط النظام أسوةً بمطالب متظاهري تونس ومصر واليمن، ظنًا منهم أن حالهم يشبه حال إخوانهم في تلك الأقطار، ولم يفطنوا إلى أن بنية الجيش في سورية حزبية عقائدية طائفية، وأنَّ وظيفته الأساس هي الدفاع عن السلطة، وهي بنية مختلفة كليًا عن بنية الجيش التونسي والمصري واليمني وحتى الليبي، عدا عن وقوف جمهور عريض من الحزبيين والشبيبيين والطلبة المؤدلجين فكريًا وطائفيًا ضد أي تغيير لنظام الحاكم الفرد الأبدي، وكذلك انحياز معظم قادة الأديان، من كل الطوائف، إلى النظام الذي عمل الجهاز الأمني على تدجينهم طوال أربعة عقود، فصاروا أدوات للسلطة تحركهم كيفما تشاء.

كان اختراق صفوف المتظاهرين سهلًا على أجهزة الأمن، مستغلةً فوضى التظاهرات وعفويتها، وإفساحها المجال لأي كان بالمشاركة فيها دون رقيب، وهكذا استطاعت عناصره التغلغل بين صفوفها وقيادتها أحيانًا ورفع شعارات طائفية، وإطلاق النار على رجال الشرطة من أسلحة فردية وتخريب الأملاك العامة، ما مهّد للنظام استخدام تلك الأفعال كمبرر للعنف المفرط ضد المتظاهرين المسالمين واتهامهم بالإرهاب.

على مدى سبعة أشهر من القمع الوحشي للمتظاهرين، لم يعد صوت عقلاء المجتمع يقدر على كبح رغبة بعض الشباب في استخدام السلاح دفاعًا عن أنفسهم وأهلهم، وهكذا بدأت بوادر عسكرة الثورة بدفع واضح من أجهزة الأمن التي كانت تُنكّل يوميًا بمئات المتظاهرين قتلًا واعتقالًا وتعذيبًا، وبدأت معها حركة انشقاقات واسعة في صفوف الجيش الذين شكّلوا مجالس عسكرية بهدف حماية المتظاهرين وأحيائهم من هجمات عناصر الجيش والأمن والشبيحة.

ترافق ذلك مع إفراج السلطة عن المتطرفين الإسلاميين من سجونه، ومُهّد لهم طريق التسلح كي يتمتعوا بقوة أكبر تنافس قوة المنشقين المحدودة، وليسيطروا بخطابهم الديني على أفئدة الشباب، ومعظمهم من المسلمين السنّة؛ ما أتاح للنظام القول للعالم إنه لا يواجه ثورة حرية، بل مجموعات إسلامية متطرفة، ولتأكيد ذلك الخطاب سهّل النظام دخولَ آلاف الإرهابيين المنضويين في منظمات دينية متطرفة، من لبنان والعراق وتونس وغيرها، والتي كان الأمن السوري اخترقها سابقًا، واستخدمها لأغراضه السياسية في العراق ولبنان والأردن.

أثناء تلك الأحداث الدامية المتلاحقة، اكتفت الدول الغربية بإعلان مواقفها السياسية الداعمة للثورة، والمطالبة برحيل الأسد دون أن تفعل شيئًا لتغيير الواقع على الأرض، ولم يكن موقف النظام العربي الرسمي أحسن حالًا، بل إنه انقسم على نفسه بين مؤيد للثورة ومعارض لها، حتى الدول التي مدت الثوار بالمال والسلاح لم تكن مواقفها متناسقة، بل متعارضة في أغلب الأحيان؛ ما أدى إلى تشظّي الثوار إلى فصائل متناحرة، وبالرغم من أن النظام السوري استقطب إيران الحالمة بدولة فارس الكبرى، واستقدم روسيا اللاهثة وراء تحقيق حلمها التاريخي بالتواجد القوي على ساحل المتوسط، فإن ما حدث -وما يزال- للثورة السورية من انتكاسات، ولسورية الوطن والشعب من تدمير وقتل وتهجير، لا يعني فشل الثورة وهزيمتها، بل هو محصلة لواقع مجتمع متشظ، عمل النظام على تخلفه واستنهاض نعراته العنصرية والطائفية والقبلية والمناطقية.

إن تجارب السنوات السبع الماضية الفاشلة على مستوى القيادات السياسية والعسكرية والمدنية، كشفت زيف الخطاب الديني المطالب بدولة الخلافة، وقد فقَد جمهوره، بدءًا من “تنظيم الدولة الإسلامية”، مرورًا بـ “جيش الإسلام” وأمثاله من التنظيمات المتشددة، وانتهاءً بـ “جبهة النصرة” أو القاعدة، وبات عاجزًا كليًا عن التأثير فيه بعدما اكتشف السوريون بشاعتهم ودمويتهم وتخلفهم، عندما أتيح لتلك التنظيمات أن تحكم مناطقهم، كما أن الدعوات الانفصالية القومية والدعوات الطائفية، لإنشاء كيانات معزولة، اصطدمت برفض قاطع من الدول الكبرى والدول الإقليمية، فضلًا عن طوباوية مطالبها، أما اليوم، فإن من يتصدر مشهد الثورة هو تيارات ليبرالية منظّمة تملك مشاريعها الواضحة التي تسعى إلى إقامة دولة الحرية والعدالة والتعددية، وهي تتحاور فيما بينها لتُنجز رؤية مشتركة لتحقيق ذلك الهدف، وما كان ذلك ليحدث لولا مخاض الثورة الطويل الدامي.

مقالات ذات صلة

إغلاق