أدب وفنون

فردة حذاء وسمكة

لم تعلم أعواد الكبريت المتناثرة في حقيبتي البيضاء أيّ شيء عن ذاك اليوم، ولو أخبرتُها لأضرمت النار في الطريق التي استيقظَت باكرًا وجلست في انتظاري.

ذهبتُ كنافذة وعدتُ كقفل.

بحاجبين مقطبين وفم شارد، وقفتُ في طابور طويل في مركز الأحوال الشخصية، وبعد قليل نادوا على اسمي، تفحص الموظف ذو النظارة المغبرة نمش أنفي واتساع جبهتي وورقة نعناع تركتها جدتي لبحة صوتي.

منذ ذلك اليوم، غطوا أسئلتي ببطاقة شخصية. ومنذ ذلك اليوم، لم أضع أعواد ثقاب في حقيبتي، إحدى متعي القديمة.

عند المساء، ضحك صديق أبي وهو يعيد البطاقة إلى يدي، وأخبرني أنه الآن فقط، تمّ الاعتراف بي كفرد في الدولة والقانون، وصرت مواطنة مثلي مثله.

حتى الآن، لم أفهم ما معنى أن أكون مواطنة، ربما سأموت قبل أن أكتشف ذاك المعنى.

كلما نظرت إلى صورتي في البطاقة الشخصية؛ تذكرت المصور الذي طالبني حينها بابتسامة صغيرة، دون فتح فمي وإظهار أسناني، كانت تكشيرتي أقوى من ضحكتي المغمضة، وأسنان لبنية كانت تصطك بين خصلات شعري.

لون عيني تحت الشمس بني، في الفيء يضيع ولا يعود، وعند الحنين أفقد عيني.

لم يكتبوا أي شيء من هذه العلامات المميزة، عن عيني في بطاقتي الشخصية، اكتفوا بشامة أعلى فمي، لا أعلم لماذا أتخيلها دومًا قطة بلا ذيل، طردوها من حارات ومدن كثيرة وجاءت تعيش في وجهي.

خربشات فوق حيطان مدرستي خطها الصبية أثناء طردهم من الحصص: “أستاذ الفتوة + المراوحة في المكان = أرنوب”.

القفز فوق السور كان حلمي، نكات الشباب العائدين آخر الليل إلى بيوتهم كانت تصعد إلى غرفتي كي تضحكني.

كنت أحسد الرجال الذين يملكون مفتاحًا لبيوتهم، ينفثون سجائرهم في الزوايا ويسهرون حتى الفجر، بينما لفّ جسدي خياله مع سنارة الصوف وكمشة خرز ومقص صدئ.

علمتني النجوم في الشمال أن أتخيل قصة عن الحب، وأن أعيشها كواجب صيفي، لقد بلغت.

لم يشيروا عندما دونوا بسرعة البرق: “الجنس أنثى”، إلى المكنسة المعلقة خلف ظهري، إلى لون شتلات التبغ المصبوغ تحت أظافري، كم كنت أحبهم لو سألوني عن الدراجة الهوائية التي سرقتها من جارنا، لأشبه ذراعيه عندما يطلقهما في الهواء.

أو لو أنهم دونوا:

الجنس: دراجة هوائية.

أرفع للحواجز العسكرية بطاقة لامرأة لا أعرفها.

نبشت في الهوية الشخصية لأمي وأختي وخالتي وصديقاتي، كلهن يحملن صفاتي وعلاماتي المميزة، لم يكن هناك فرق سوى أنهن لم يستغربن مثلي، لم يظهر على ملامحهن، وأنا أقرأ تعاليم بطاقاتهن بصوت عال، أي دهشة أو سؤال، سارت حياتهن كما لو أنهن لم يحملن اسمًا أو جنسًا أو تاريخ ميلاد، أو كأنهن امتلكن مثلي هويّة وتعايشن مع الكذبة، بل تقمصن علاماتهن المميزة لتصير عضوًا من أعضائهن.

تجتمع عائلتي من جدي الأكبر حتى أبي وأعمامي وأولادهم، في مجلد ضخم يكسوه الغبار فوق أحد الرفوف في دائرة الأحوال الشخصية، اسمي يدور بينهم ويلعب في تواريخ ميلادهم وعناوينهم وأسمائهم، وعندما تجتاح العزلة قلبي في الليل، أهرب خلسةً وأدخل مجلدًا آخر لعائلة أخرى، أحيانًا أشعر باليتم.

في حارتنا المتعرجة أعلى الجبل، بين صخرتين، يعيش دكان الحي الوحيد، لكنه كان يبيعنا كل شيء، أو هكذا كنت أشعر، وسط الدكان وضع أبو مهند كنبة كبيرة، كي يتمدد فوقها أثناء الظهيرة، عندما يقل البيع والزبائن والديون.

على واجهة الزجاج، وبينما يصل شخير أبو مهند إلى البحر، كنت ألصق وجهي، أحلم بأن ألبس قبعة الإخفاء لدقائق قصيرة، لم أكن أشتهي سرقة البسكويت المغطى بالشوكولا، ولا شراب العصير البرتقالي المثلج، ولا حتى علبة البوظة بنكهة الحليب؛ لذة أخي المفضلة، كنت أفكر كيف أصل إلى صفحة ديون أهلي في الدفتر الأسود المرفوع فوق الرف، ثم أمضغها كقطعة لبّان وأبتلعها.

لم يسألوني من أين أنت، كتبوا سلفًا “اللاذقية” التي لم أسكنها يومًا، فأنا وأهلي كنا نعيش أعلى الجبل، حيث لا تصل سيارة أو حافلة إلى حيّنا، وعنواننا الدائم للرسائل والضيوف والغرباء كان دائمًا: الجبل، قرب دكان أبي مهند المتقاعد بين صخرتين. دكان ذو واجهة زجاجية مغطاة بالذباب الميت، وأوراق النعي الممزقة، والبذور اليابسة لحبات الطماطم.

في رحلة أقامتها المدرسة في الصيف إلى البحر، صعدنا أحد القوارب المهترئة بلهفة ورعشة، وعندما وصلنا إلى وسط البحر، رحت –هائمة- أمشط الموجة بقدمي، وأفتش لسانتياغو “عجوز همنغواي” عن سمكة أخبئها له في جوفي، غرقت فردة حذائي في البحر، ورقصت الفردة الأخرى على الشاطئ رقصة زوربا، حتى تاهت في الرمال. كيف سأترك زوربا لمشهد الغروب وحيدًا؟ وكيف سأعود إلى البيت حافية؟

نسيت أن أروي هذه الحادثة لموظف الأحوال الشخصية، وهو يطلب مني أن أبصم عدة مرات متتالية على ورقة بيضاء.

تقول أمي إنني ولدت في السادس من أيلول، وكان الجو ماطرًا شديد البرودة، وتقول جدتي إنني خلقت على عتبة غرفتها في الساعة التاسعة ليلًا، ويقول أبي إن السجن لمدة سنة منعه من احتضاني لحظة ولادتي، فاكتفى بالدعاء لي ولأمي، من وراء القضبان، وتقول شجرة المشمش في حديقة جارتنا إن شرايين أمي -في تلك السنة- كانت تظهر أكثر من عينيها، وتقول عتبة جدتي إن موسم زيت الزيتون تم بيعه كاملًا بنصف ثمنه، وإن جدي ترك أرضه كي يُلحق أخي الأكبر بالمدرسة، وتقول النافذة إنني عذبتها كثيرًا أثناء صراخي وقلة نومي، ولم تحلم طيلة فترة طفولتي إلا بالديدان ذات الرؤوس السوداء، ويقول نهد أمي إني لم أشرب من حليبه، وكنت أحدق في السقف، كما لو أنه أمي، وتقول السنونو المهاجرة من فوق بيتنا إنني كنت أطير إلى مسافات أبعد منها، ويقول السطح إنه وأنا في العاشرة من عمري، عندما حلّ الربيع، تعلمت أن أخطّ جسدي مع كل غيمة عابرة، ويقول بابنا الحديدي الأسود إنني بلغت عندما صرت أركله بقدمي دون أن أغلقه نهائيًّا، أثناء خروجي من البيت.

بعد الحرب؛ فقدت هويتي، حدثٌ يشبه أن تعيش وتموت دون أهل في زنزانة منفردة، هو أن تكسر هويتك أو تفقدها في الحرب.

صنعت بطاقة من جديد في مدينة ودوائر حكومية أخرى، التقطتُ صورةً لتكشيرتي الأكثر اتساعًا، للمشانق حول الشامة أعلى فمي، لكلمات نسيَتها الدموعُ في عيني، لم يُفلح المصور في جعل نظرتي ثابتة نحو عدسة الكاميرا، أو أن يبقى كتفي مرفوعًا، ولم تنجح أدوات الفوتوشوب في مسح كسرة الخبز فوق شفتي.

في دائرة الأحوال الشخصية، مددتُ رأسي والأوراق والمستندات والطوابع والصور ولهاثي، داخل الكوّة الزجاجية، فتح الموظف ظرف الصور ببرود وملل، نظر إليها بغرابة ثم انتقلت نظرته الغريبة إلى وجهي، ظننت -حينئذ- أنه سيطلب بعد قليل أن أمدّ لساني، كي يتفحص لعابي، وكمحقق جنائيّ يتقصى آثار جريمة ودليل، يثبت التهمة، عدّل من هيئته وأخرج رأسه من الكوة قائلًا بهدوء:

هل أنت متأكدة من أن الوجه الذي في الصورة هو وجهك حقًا؟

مقالات ذات صلة

إغلاق