أدب وفنون

“طيور تدخن الماريوانا” – بورتريهات مُحملة في الذاكرة

ثمة نفَس درامي هادئ، يطغى على أجواء قصيدة الشاعر السوري حسام جيفي؛ سلسلة لا نهائية من الأفكار، جنبًا إلى جنب، مع سيلٍ من الصور الشعرية المتتالية. بينما الجملة تبدو شديدة التكثيف وتتسم بالمرونة والحيوية، ما يجعل من لغته كتلةً حيةً من المشاعر والأحاسيس، طالما أن الشّعر، بحسب باشلار، هو “اللغة الحرة إزاء ذاتها”.

في مجموعته الشعرية الجديدة (طيور تدخن الماريوانا)، الصادرة حديثًا عن منشورات المتوسط (ميلانو- 2017)، يواصل الشاعر حسام جيفي كتابة الذات والآخر/ الند، ثمة أكثر من مرآة وشاعر واحد، نجده في قصائد هذه المجموعة، أكثر من نسخة للشاعر ذاته، تبدأ من تقمصه لرحلة نزوح مُتخيلة، تُحاكي الواقع السوري في أحد أبرز جوانب مأساته، إذ يسرد لنا في قصيدة بعنوان (مَن غادرَ ليس أنا)، على سبيل المثال لا الحصر، تفاصيلَ تلك الرحلة بلغةٍ سلسلة ومشحونة بقدر كبير من الحزن الشفيف على ما آلت إليه الأمور، من مأساةٍ إنسانية مركبة، يصعب وصفها، حيث يقول: “.. ما أعرفه هو أني، بطريقة ما، قد غادرت/ البلاد/ حاملًا حقائب تختنق بدعوات متأخرة/ ورسائلَ لم تصل/ تاركًا شجرتي تكبر وحيدة/ في باحة خلفية/ لبيتٍ ذي أرضية رخامية/ في طابق سابع/ وشرفات متكبرة/ تغسل بياسمينها الأبيض/ مرارة البحر”.

ثمة مفردات متباينة، يذخر بها المقطع السابق، يبدأ بـ “حقائب تختنق”، وصولًا إلى “الياسمين” ببياضه و”البحر” بمرارته، معًا في درفةٍ واحدة، وما وضع مفردة “البلاد”، هكذا، متروكةً وحدها في سطر كامل، سوى تأكيد على أنه ما من أحد يبالي بوجع تلك “البلاد”.

فانتازيا الواقع

يميلُ حسام جيفي (مواليد مدينة اللاذقية- 1983)، في كتابته إلى مزجٍ واضحٍ ما بين ثنائية “الواقع” و”الفانتازيا”؛ ما يبدو أنه ما من أثر جمالي لجانب ما دون حضور الجانب الآخر، على غرار التناقضات الوجودية المُحببة، من مثل: الليل والنهار، الحزن والفرح، الأنا والآخر، النور والظل، الأبيض والأسود، الغياب والحضور.. إلخ، وهذا قد أضفى المزيد من الجمالية على الشيء بوضعه إلى جانب نقيضه، باعتبار (أحدهما إثبات للآخر، وليس تبادل أدوار). فلا معنى لليل دون نهار يتبعه ويجدد معانيه، وما من قيمة حقيقية للفرح إن لم يأت بعد حزن. وهكذا بالنسبة إلى الحياة والموت، الحب والكره، الخير والشر. في قصيدة بعنوان (انتبه… غزلان)، والتي تأتي في هذا السياق، يقول الشاعر: “انتبه… غزلان/ إشارة صفراء على جانب الطريق/ إشارة على جانب الحياة/ انتبه… غزلان/ انتبه… موت مؤجل/ غزال يعدو بعكس السير/ أعمى، يواجه سيلًا من الأضواء”.

العتبة الأولى للحنين

مجموعة (طيور تدخن الماريوانا)، الواقعة في اثنتين وسبعين صفحة من القطع المتوسط، هي الإصدار الشعري الثاني لحسام جيفي، الشاعر السوري المقيم في ولاية بوسطن الأميركية؛ إذ سبَق أن صدر له عن (دار بعل) باكورة أعماله الشعرية، بعنوان (فتاحة الأمل المعلب)، دمشق، 2008.

في هذه المجموعة؛ يلعب الحب، ومن ثم الحنين إلى المكان الأول، الدور الرئيس في مسار جُل القصائد، الحب بوصفه العتبة الأولى للحنين، وما الحنين سوى شريط صور لذاك الحب، يتكرر من تلقاء نفسه، دونَ أن يفقد رونقه أو حميميته؛ يقول: “تذكرني بك الحياة وما يمرّ عليها/ بقع الضوء المهتزة على واجهات المحلات/ بكاء الأطفال/ رائحة البطاطا المقلية/ وطعم الحزن بعد منتصف الليل/ ولسببٍ ما/ يذكرني بك هذا القطار السريع/ فأغمضُ عيني/ أفك العجلات والنوافذ/ وأصنع من بورتريهاتك المحملة في الذاكرة/ معرضًا للصور الضوئية..”.

ــــــــــــــــ

الكتاب: طيور تدخن الماريوانا (شعر)

المؤلف: حسام جيفي (سورية/ أميركا)

الناشر: منشورات المتوسط (ميلانو- 2017)

الصفحات: 72 صفحة

القطع: المتوسط

مقالات ذات صلة

إغلاق