أدب وفنون

المرأة التي كانت رصينة

أكان على سيمون دو بوفوار (1908 – 1986) أن تنتظر اثنين وثلاثين عامًا بعد وفاتها، قبل أن تستقبلها أعرق دار نشر فرنسية: (غاليمار)، في السلسلة المخصصة لمبدعات كبار الكتاب العالميين، مكتبة لابلياد، وتلقى التكريس الذي حظي به فيها، من قبلُ، رفيقُ عمرها جان بول سارتر؟ ما مردّ هذا التأخير؟ ألأنها امرأة يصعب استقبالها في حرم يحفل بأكثر من مئتي رجل (مئتان وتسعة على وجه التدقيق!)، في حين لا يتجاوز عدد النساء فيه، بعد دخولها الآن، أربع عشرة امرأة؟ أم لأن مُبْدَعها كان لا يزال يحمل آثار الخلافات والخصومات التي أثارها، يوم عرفها الجمهور في فرنسا، ثم في باقي أنحاء العالم، امرأة استثنائية، مثقفة وحرة، عبر هذا المُبدع بالذات، وفي ما جسّدته مع منتصف القرن الماضي من معايير وقيم جريئة وغير مسبوقة للمرأة قبل سبعين عامًا؟

ربما عثرنا على قدر من الإجابة في طبيعة الكتب التي ضمَّها جزءا هذه الطبعة النقدية، والتي امتلأت بها ثلاثة آلاف ومئتي صفحة تحت عنوان: المذكرات. كما لو أن أهمّ عمل أنجزته في حياتها كان تفاصيل حياتها التي كانت في ذاتها، روايتها الكبرى التي عاشتها حقيقة وكتابة، رواية المرأة الكاتبة والعاشقة والصديقة والمناضلة. لا سيّما أن شهرتها تدين في آن واحد إلى كتاباتها، بقدر ما تدين إلى الأسطورة التي نسجتها من حولها خياراتها في حياتها، كامرأة حرّة وكشريكة حياة أشهر فلاسفة القرن العشرين: سارتر.

لم يكونا قد خرجا بعد إلى الفضاء العام، حين أبرمت مع زميلها في سنوات الدراسة: سارتر، وهي في الحادية والعشرين من عمرها، ميثاقًا غير مسبوق في العلاقات العاطفية، قوامه ما أطلقا عليه “الحبّ الضروريّ” بينهما، الذي لا يستبعد أو يمنع ضروب حب “محتملة”، يمكن أن يعيشها كل واحدٍ منهما! ميثاقٌ أبرم لسنتيْن؛ لكنه دام حتى وفاة سارتر عام 1980. كان هذا الميثاق قيد التطبيق إذن، حين بدأ الجمهور يتعرف إليهما مع بداية الحرب العالمية الثانية التي وضع سارتر خلالها كتبه الأساس، في الفلسفة (الوجود والعدم) وفي الرواية (الغثيان، ثلاثية دروب الحرية)؛ والتي أصدرت من ناحيتها في الفترة نفسها أولى رواياتها: المدعوة. هكذا حين عرف الجمهور هذا الزوج الأسطوري الذي ستطبق شهرته العالم، بوصفه ثورة غير مسبوقة في عالم العلاقات العاطفية، وفي ممارسة الحرية إزاء كل المواضعات الاجتماعية ومؤسساتها وقيمها، كانت سيمون دو بوفوار لا تزال في ظل سارتر. لكنها سرعان ما ستعثر على بداية الطريق، خلال نقاش مع رفيقها، ذات يوم من عام 1947. فمن فكرة كتاب اعترافات شخصية كانت قد بدأت في تسجيل عناصره، إلى مشروع كتاب يحاول، وهو يعالج الشرط النسائي بصورة عامة، أن يجيب عن سؤال أساس كان يؤرقها، كما كتبت في الجزء الثالث من مذكراتها، قوة الأشياء، فيما بعد: “ما الذي كان قد عناه في نظري أن أكون امرأة؟”؛ وهو كتاب أنجزته خلال سنتَين ونشرته في جزأين عام 1949 تحت عنوان: الجنس الثاني (LeDeuxième sexe) (وليس “الجنس الآخر”، كما عنونته ترجماته السيئة العديدة إلى العربية!)، يعرض بصورة جريئة وغير مسبوقة، القمع الذي كابدته، ولا تزال تكابده، المرأة على يد الرجل في كل مجال من مجالات الحياة، الخاصة والعامة، مسلحًا لا بتأملات صاغتها التجربة الشخصية فحسب، بل كذلك باستخدام أدوات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة والتاريخ المنهجية، والذي باتت الصيغة التي أطلقتها فيه شعاره وموجزه البليغ: “لا تولد المرأة امرأة، بل تصيرها”.

قبل أن يصدر الجزء الأول من الكتاب، نشرت سيمون دو بوفوار، بين شهري أيار/ مايو وتموز/ يوليو 1948، في مجلة (الأزمنة الحديثة) التي كان يديرها جان بول سارتر، ثلاثة أبحاث من الكتاب تحمل عنوان “المرأة والأساطير، مقتطفات من كتاب حول وضع المرأة، سيصدر قريبًا”. لم تتأخر ردّات الفعل العدوانية بالطبع. لكن هذه الأخيرة تجاوزت كل الحدود التقليدية، عند صدور الكتاب في السنة التالية، الذي سبق صدوره، مرة أخرى، نشر مقتطف آخر منه في مقدمة عدد الأزمنة الحديثة في أيار/ مايو 1949، تحت عنوان (التلقين الجنسي للمرأة). كتب فرنسوا مورياك في صحيفة (الفيجارو) الصادرة يوم 30 أيار: “لقد بلغنا حرفيًا حدود النذالة (..)؛ هل يتواجد الموضوع الذي عالجته السيدة سيمون دو بوفوار (…) في مكانه على فهرس مجلة فلسفية وأدبية خطيرة؟”. لا بل إنه يصر على المبالغة، حين يكتب إلى أحد محرري مجلة الأزمنة الحديثة: “لقد صرنا نعرف كل شيء عن مهبل ربة عملك!”. أما ألبير كامو فلم يتوانَ عن أن يكتب، أن هذا الكتاب “يفضح الذكر الفرنسي”، وأنه “شتيمة للذكر اللاتيني”. أما ضروب البذاءات التي صار من الممكن اليوم أن يعاقب عليها قانونًا، والتي حفلت بها يومئذ صحف اليمين واليسار، فقد تجاوزت كل الحدود. لكن التي سبق أن كتبت: “سأبني لنفسي قوة ألجأ إليها إلى الأبد”، واجهت بشجاعة منقطعة النظير هذه “الجحافل” التي أفلتت من عقالها، وفقدت كل قدرة على التفكير!

سوى أن الكتاب سرعان ما وجد طريقه، عند صدوره، إلى القراء، فبيع منه في الأسبوع الأول 22000 نسخة، كي يتجاوز العدد خلال سنوات قليلة إثر صدوره، وبعد ترجمته إلى العديد من لغات العالم، إلى مليون ومئتي ألف نسخة. كتاب فاصل في حياة المرأة والكاتبة سيمون دو بوفوار التي صارت تعيش إلى جانب ومع جان بول سارتر، لا في ظله، كما بدت قبل بلوغها الثلاثين من عمرها. وهو ما سيتيح لها أن تعيش الحياة التي سبق أن اختارتها وأن تكتبها.

ستكتب روايتها الكبرى، المثقفون، بعد عشر سنوات من نشرها أول رواية لها، المدعوة، وستنال عليها جائزة الغونكور التي كرستها روائية، هي التي كانت تنظر إلى الرواية بوصفها أداة، أو على أنها، كما كتبت، “نوع من آلة نصنعها كي نضيء بها معنى وجودنا في العالم”. سوى أن الكتاب الذي ستبدأ به سلسلة المذكرات الرئيسة التي تروي فيها حياتها منذ البداية، والذي كانت ستبدؤه، وإن بطريقة أخرى، قبل أن تنعطف نحو الجنس الثاني، بإيحاء من سارتر، كان الثلاثية التي ضمت مذكراتها الرئيسة: مذكرات فتاة رصينة، قوة العمر، قوة الأشياء. لم يكن همّها فيها أن تنجز عملًا فنيًا، بل لم تكن تزعم ذلك أصلًا بصريح العبارة: “لا أدّعي أنه أثر فني (…) وقليلًا ما يهمني إذا رفض منح مذكراتي تلك الصفة. لا، إنها ليست أثرًا فنيًا، ولكنها حياتي، في اندفاعاتها، في أحزانها، في اضطراباتها، حياتي التي تحاول أن تتحدث عن ذاتها..”.

ذلك ما يؤكد على أن الكتابة في نظرها -أيًا كان الشكل الذي تندرج ضمنه- كانت هي الأساس فعالية وحياة. ومن هنا، لا يمكن أن يؤخذ على سيمون دو بوفوار أنها لم تقل كل شيء في ثلاثية مذكراتها.. فقد قالت الكثير أيضًا من قبل، في كتابها الأيقونة: الجنس الثاني، مثلما قالته في رواياتها، وفي كتبها الفلسفية أو الأيديولوجية الأخرى، ومن ذلك رسائلها التي نشرت (وكانت تعلم أنها ستنشر) بعد وفاتها إلى عشيقها الأميركي، والتي حملت البعض على أن يتسرع في أن يستخلص منها “بؤس” ما كانت وسارتر يطلقا عليه الحب الضروري. إلا أنه لا بدّ من الاعتراف بأنها بكتاباتها، كما بسلوكها، لم تكن قد خلخلت الكثير من المعايير والأفكار الموروثة والسائدة فحسب، بل قدمت نموذج امرأة استطاعت بحريتها المنتزعة أن تصير المرأة التي تريد، ما دامت تمارس قدرًا من الحرية لا يمكن لأي رجل أن يضع له حدودًا يفرضها.

كان دخولها مكتبة البلياد سيسعدها، هي التي كانت الكتابة بالنسبة إليها صنو حياتها التي تبقى، بعد كل شيء، حياة امرأة استثنائية لم يكن شيء في أصولها الاجتماعية أو في تربيتها يعد بها. تلك هي الصيرورة التي أرادتها، جنبًا إلى جنب مع الحب الضروري!

صيرورة تليق بها.

مقالات ذات صلة

إغلاق