أدب وفنون

ليالي إيزيس كوبيا – مي زيادة بين التغييب والنكران

(إيزيس كوبيا) العنوان؛ العتبة النصية ذات الإغراء التي افتتح واسيني الأعرج بها منجزه الأدبي الأخير (ليالي إيزيس كوبيا) إصدار دار الآداب لعام 2018، وما يختزنه هذا الاسم إيزيس وكوبيا من معنى الأسطورة المرمزة لأخت الإله وعروسه، وأيضًا كوبيا الشيء الفائض والزائد، يلاقي في المعنى اسم مي زيادة الأديبة ذات الشهرة والنبوغ، وهو الاسم الذي وقّعت به باكورة أعمالها.

ليتقصى بطله عن الأيام التي أمضتها في مصحة الأمراض النفسية، باحثًا عن كتابها (ليالي العصفورية) الذي كتبت فيه مذكراتها عن تلك الأيام العصيبة، ويقلب صفحاته، متوغلًا في تفاصيل وظروف احتجازها، على غرار أساليب باتت تقليدية مثل البحث عن مخطوطة ضائعة، وتقليب أوراقها، اتبعها يوسف زيدان في (عزازيل)؛ وبحث عنها أمين معلوف في (سمرقند)؛ وواسيني نفسه في (البيت الأندلسي)؛ وآخرون غيرهم كمتن للسرد، والاتكاء على سيرة تاريخية؛ أو النسج على حكايا واقعية؛ حصلت أو تخيلت، كبناء على بناء، في إثارة لفكرة علاقة الرواية بالتاريخ أو ما أطلق عليه الرواية التاريخية، عبر محاولة لفهمها بصورة مغايرة، عما سطره المدونون المنتصرون، واستقراء حقائقها باستنطاق وتحري شخوصها وتحليل سلوكهم وأقوالهم.

وقد بات الاعتماد على سير حياة لشخصية شهيرة ذات أثر ملحوظ في زمن ما، على مستوى الأدب أو الفن أو السياسة، والاتكاء على نص أو عمل رائج محمود الأثر، أسلوبًا له طابع التكرار، بشكل تكاد تغيب بصمة الروائي ذاته، برزت على سبيل المثال لا الحصر في اعتماد محمد حسن علوان على شخصية ابن عربي، أو نسج واسيني نفسه عملًا موازيًا في أصابع لوليتا، ورغم جماليته، فالتساؤل يطرح نفسه، وخاصة لمن بات عريقًا في عرف الكتابة والسرد: أين المخيلة المبتكرة؛ وأين فكرة الخلق؛ وأين الأصالة في الإبداع؛ ما هو الجديد الذي أضافه باستثناء لعبة اللغة والبلاغة؟

يتحدث واسيني في منجزه عن محنة مي زيادة التي أودعت في مشفى الأمراض العقلية، وهي ذات العقل النيّر مطعونة من أقرب الناس إلى قلبها، ابن عمها الدكتور جوزيف، مستغلًا الكآبة التي ألمت بها، إثر فقدانها المتتالي لأبيها وصديقها شبه الشقيق جبران وبعدها أمها، حيث تمكث في العصفورية ثلاثمئة ليلة وليلة، وقد أراد من احتجزها أن يستغل وحدتها، وحسّها المرهف، ورقّة بنيتها النفسية؛ حتى تتطور كآبتها لتصل إلى فقدان اتزانها ورجاحة عقلها، ابن عمها الذي ربطتها به أحاسيس طفولة، ومشروع ارتباط، ليذهب به الطمع بإرثها المادي، إلى سد آفاقٍ من المعرفة والأدب لتلك العبقرية التي كان لها أن ترفد مسيرة الفكر الإنساني، بالمزيد المزيد لو قيض لها أن تعيش طويلًا.

تنوعت أشكال مظلومية الآنسة الأديبة، التي أتقنت لغات عدة مكنتها من الاطلاع على الثقافات والمنجزات الأدبية العالمية بلغتها الأم، فذاك الفيض من المعرفة الثرة، قوبل بنكران وتجاهل، ليس من وسط أسرتها وحسب، بل من أصدقائها الأدباء وعشاقها، حيث عاصرت جيلًا من كبارهم أمثال: العقاد والرافعي ومنصور فهمي وأحمد لطفي السيد وأنطون الجميل والزيات وطه حسين والحكيم وسلامة موسى وأحمد شوقي وداوود بركات وزكى مبارك وأمين الريحانى وكثيرون غيرهم، ليُكشف الغطاء عمّا خفي من مفاهيمهم الكامنة بأعماقهم، مفسرًا قلة الوفاء ممن حكمتهم العقد الذكورية، المترسبة في قاع وعيهم، التي لم تستطع الحداثة ولا الثقافة محوها، ولربما كان إحساسًا خفيًا بالتشفي، غيرة من ناحية، وكونها لم تتجاوب معهم بطريقة فهمهم للحب والعلاقات الإنسانية من ناحية أخرى، لأنها امرأة حرة لم تكن تابعة لأحد، وظل إحساسها بالفرادة والتميز قائمًا حتى مع هارمونيا الأحاسيس المتناوبة التي شعرت بها.

اليد المجرمة التي كانت وراء اختفاء العديد من نتاجاتها، لخوفها من الإدانة مكتوبة بخط صاحبتها، خاصة المخطوطة المفقودة التي دونت فيها مذكراتها: (أخيرًا دونتك يا وجعي وهم قلبي)، ومما كان أن يفيد في تعميق الإضاءة على عوالمها الداخلية، والتعريف على الإشغالات الفكرية التي كانت محور اهتمامها في ذاك الزمن، حالت دون وصولها إلى قرائها في زمنها.

الأعرج وهو يتقصى محنة إيزيس كوبيا، أضاء على خفايا حياتها، فجبران خليل جبران كان صديقًا وأخًا لها، أكثر منه حبيبًا، كما هو معروف لدى العامة؛ إذ قالت في وصفه: “إله من غيم ومطر وعواصف، لم يكن عاديًا، وكنت عشبة خضراء في مهب الدين واليقين“.

ربما توقع القارئ، وبمناسبة الحديث عن محنتها وتكراره للمظلومية التي عاشتها، إطلالة على منجزها الفكري والأدبي، كمعادل موضوعي وقيمي على شخصيتها وحضورها الفكري والاجتماعي، وبخاصة كون مغامرته في بعث مذكراتها من رماد الذاكرة، تكمن في رغبته في إنقاذها من الجحود والتهميش والنكران الذي لحق بها؛ ما يدفعنا إلى التساؤل: ماذا عرف القارئ من مجهول فكر مي زيادة وعقلها وأدبها؟

وقعت ميّ في ازدواجية التربية الصارمة لمدارس الراهبات، وسجن الروح في مفاهيم أعراف الفضيلة، وما تتيحه ثقافتها الواسعة، واطلاعها على آداب الشعوب، من تحليق للروح والعقل في فضاءات المعرفة، بين سمو الفكر وهشاشة الروح، تبدت في قولٍ معاتب للرب: “مريمتك أنا يا الله، فلماذا تخليت عني؟” يقابلها صرخة المسيح للرب: “إيليا إيليا لماذا شبقتني”، في انعكاس للثقافة الدينية التي نشأت عليها، واحتجاج على قمع الفطرة العفوية للبشر تحت يافطة الدين.

استحضار تجربة ظلية لكامي كلوديل النحاتة المعروفة، وعلاقتها بأوغست رودان التي قيض لها أن تعيش في الظل رغم أهمية أعمالها، وكونها ملهمة رودان وعشيقته، وحكاية إنكاره لها، وزجها في مصحة نفسية، تحاكي قصة مي وإنكار أغلب المقربين منها، من أصدقاء وفنانين ومفكرين، وأيضًا، الاكتئاب الحاد الذي لم يمنع فرجيينا وولف عن رفد الإنسانية بفيض من الإنجازات الفكرية والأدبية، فالأزمة النفسية تكون في الغالب نتيجة صراع قوي، لدى شخصية مثل مي، بين جموحها وطموحها والواقع المحدود المحيط بها، وتعبير عن مكابدات روحية عميقة، ولكن الحجر عليها والتضييق على فكرها، ومنعها من الحياة، والطمع بثروتها والاستيلاء عليها، هو الجريمة بذاتها، ولعل فكرة أن “أجمل ما يقوم به المظلوم هو أن يعذب قاتله بنجاحاته فقط” هي الرد الطبيعي للنفس العالية الزهو على الوضاعة والرياء.

مي زيادة رائدة الثقافة أتت باكرًا ورحلت باكرًا، توهجت كشمس لتنطفئ محترقة بآلامها وقهرها، في زمن مجحف، وواقع ينكر كباره، وينسى عظماءه.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق