ترجمات

النكبة بعيون سكان مخيم اليرموك

“عندما نعود إلى فلسطين، سنأخذ حياة المخيم معنا

إن تدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، مثل مخيم اليرموك في سورية، يخدم هدفًا أكبر، ألا وهو تدمير تعلّق الناس بوطنهم.

بينما نحتفل بمرور 70 عامًا على النكبة، كان مخيم اليرموك الذي كان يستوعب 350 ألف ساكن -من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين على حد سواء- يُدمّر، يُسوى مع الأرض، مع بقاء بضعة آلاف من الأشخاص داخله.

أولئك الذين بقوا، نادرًا ما يكونون قادرين على الاتصال بالعالم الخارجي، وهم يواجهون أخطارًا قريبة تتمثل بقصف النظام السوري وتجويعهم.

من الصعب العثور على كلمات لشرح ما يمكن أن يعنيه مخيمٌ لسكانه، لكن بينما ينوح سكان مخيم اليرموك السابق على موت مخيمهم، يراقبون من بعيد بيوتهم، وذكرياتهم وحكاياتهم وهي تُدمّر، من المهم الانتباه إلى هذه المستويات المعقدة والمتشابكة لمعنى التدمير ومغزاه.

أرواح عاشت داخل المخيم

قد يكون من الصعب، على أبناء المخيم وبناته، فهمُ ما يعنيه مخيّم، حتى بالنسبة للفلسطيني الذي لم يعش في أي مخيم. بالنسبة للعديد من الذين يعيشون في مكان آخر، يُعدّ المخيم “محطة” بسيطة قبل العودة إلى الوطن، حيث تميل هذه النظرة إلى نسيان أن أرواحًا كاملة كانت تعيش هناك، وأن الكثير منهم وُلدوا هناك.

اليرموك، الذي كان في يوم من الأيام موطنًا لأكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين، تعرّض لحصارٍ من نظام الرئيس السوري بشار الأسد عام 2012 بذريعة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). في عام 2015، وقع المخيم تحت سيطرة (داعش)، ولا يزال حصار النظام مستمرًا حتى اليوم. نزح معظم السكان إلى مناطق أخرى من سورية، أو إلى لبنان أو أوروبا.

في برلين، التقيتُ بأشخاص فرّوا من اليرموك، ووصلوا بعد رحلة طويلة عبر البرّ والبحر، وعبروا الحدود مشيًا، وواجهوا الموت، أو هربوا من الاحتجاز. للحفاظ على إيمانهم بحق العودة حيًّا، حكيتُ لهم عن فلسطين، فلسطين الحقيقية. فردّ أحدهم: “فلسطين تشعر بالقرب من برلين أكثر مما تشعر بالقرب من اليرموك”.

مع أن الكلام مؤسف، لكنه يبدو صحيحًا. الفلسطينيون من مختلف أنحاء فلسطين التاريخية، إلى جانب اللاجئين من المخيمات أو الشتات، يمكنهم الالتقاء فقط بعيدًا عن فلسطين. كفلسطيني من الناصرة، التقيتُ بأصدقاء من غزة لأول مرّة في أوروبا، والتقيت بلاجئين من لبنان وسورية هناك أيضًا.

لقد عشتُ لحظات، حيث أنا، كفلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية، مع فلسطينيين من غزة والضفة الغربية والقدس ومخيم للاجئين وأشخاص ولدوا في المنفى، وحيث لاحظنا أن “جميع أجزاء الوطن حاضرةٌ” فينا، كتذكيرٍ بأصولنا وألفتنا.

العلاقة الفلسطينية السورية

مخيم اليرموك، المعروف باسم “عاصمة الشتات الفلسطيني”، لم يكن أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين فحسب، بل كان أيضًا مركزًا للنشاط السياسي والثقافي. العديد من القادة السياسيين الفلسطينيين نشؤوا في اليرموك، أو دفنوا في المخيم بعد أن اغتالتهم إسرائيل.

المخيم نفسه ضحى بالكثير من سكانه، الذين عاشوا أثناء النضال الفلسطيني، في الوقت الذي أقاموا فيه حياة ثقافية نشطة، بما في ذلك العديد من المراكز الثقافية والمكتبات. (العاشقون)، وهي فرقة شعبية فلسطينية، تشكلّت في اليرموك.

وفي الوقت نفسه، اليرموك، كونه موطنًا للسوريين أيضًا، خلق علاقة فريدة بين الفلسطينيين والسوريين، تُوضح الانخراط المبكر لفلسطينيي اليرموك في الثورة السورية ضد الأسد.

رجال يمشون بين المباني المدمرة في مخيم اليرموك للاجئين في 6 نيسان/ أبريل 2015 (وكالة الصحافة الفرنسية)

ومع ذلك، كانت فلسطين دائمة الحضور في حياة المخيم وأنشطته، حيث ظلّت التطلعات إلى التحرير والعودة حيّةً عبر ثلاثة أجيال على الأقل.

إن تعلّق الفلسطينيين بالمخيم يتخطى العاطفة. يُدرك المخيم المحاولات لقتل حق العودة، فليس سرًا أن تدمير المخيمات يخدم خطة أكبر، تشمل تدمير تعلّق الناس بوطنهم، وكفاحهم للعودة إلى المنازل التي شُردوا منها قسرًا.

ليس مجرد ذاكرة

أخبرني أحد الأصدقاء من مخيم اليرموك مؤخرًا: “اعتدنا على القول إنه عندما نعود إلى فلسطين، سنأخذ حياة المخيم معنا”. وكتب صديق آخر: “شوارعه وأحياؤه الضيقة تشبه قرى ومدن فلسطين الأصليّة. كنتُ أعيش في شارع القدس، أتسوق من شارع لوبيا وصفد، وشربت قهوتي في الطيرا، وزرت أصدقائي في حيفا”.

نسمع حكايات مماثلة من مخيمات أخرى. في حين أن العلاقة بفلسطين لا تزال حيّةً بشكل لا يُصدّق في هذه المخيمات، فإن الإحساس بأنهم تعرضوا للخيانة والنسيان يزدادان قوةً. إن الإيمان الحقيقي بعودةٍ إلى الوطن قد طغى عليها ما يسمى مزاوادت “القيادة” بذلك الحق والحلم.

في حين أن النكبة تحمل معها حكايات الملايين من اللاجئين، عن النزوح، والخسارة والبقاء التي يجب تقاسمها وإبقاؤها حيّة، فهذه ليست مجرد ذكرى، بل إنها حقيقة تتكشف أمام أعيننا، ونحن نشاهد الناس الذين تم تهجيرهم مرتين وثلاث مرات.

يجب أن نعترف بأن هذه المعاناة المروّعة لا يمكن أن تنتهي، ما لم يتمكن النازحون من العودة إلى وطنهم.

 

اسم المقال الأصلي Nakba as seen from Yarmouk: ‘When we return to Palestine, we will take the camp with us’
الكاتب عبير قبطي، Abir Kopty
مكان النشر وتاريخه ميدل إيست آي، MIDDLE EAST EYE، 16/5
رابط المقال http://www.middleeasteye.net/columns/nakba-70-palestinians-suffering-will-not-end-until-they-can-go-home-1669650866
عدد الكلمات 690
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق