مقالات الرأي

مجلس الأمن أو مسرح التنفيس!

مثلما قدمت روسيا خلال السنوات السبع الماضية برهانًا بليغًا عن عجز مجلس الأمن وعبثية قراراته، بصدد كل ما كان يعني ثورة الشعب السوري ضد حكم الاستبداد الجاثم على سورية منذ خمسين عامًا، من خلال تعطيل كل قرار يصدر عنه بتجريم النظام الأسدي وحلفائه، قدمت الولايات المتحدة الأميركية هي الأخرى -ولم تكن المرة الأولى بالطبع- البرهان الأبلغ على الأمر نفسه، خلال الاجتماع الأخير لمجلس الأمن بمناسبة ارتكاب “إسرائيل” جريمة قتل أكثر من ستين فلسطينيًا، كانوا يشاركون في التظاهرة السلمية قرب حدودها مع قطاع غزة، بمناسبة مرور سبعين عامًا على النكبة، مؤكدة على صورة وظيفته التي باتت في السنوات الأخيرة بليغة في قولها طبيعة هذا المجلس، وفي مدى عجزه عن حلِّ المشكلات الدولية المناط به حلها، وفي تأكيدها وجود هذه الشراكة القائمة بين روسيا وأميركا، لتبديد كل أمل في تحقيق الحدِّ الأدنى من أهداف هذه المنظمة الدولية.

يعلم كل من يتابع أمور السياسة الدولية وتاريخها كيف أنشئت منظمة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم في نهاية الحرب العالمية الثانية، وكيف تولت أمرها الدول الكبرى الخمس المنتصرة فيها، باستحواذها على حقَين رئيسَين: العضوية الدائمة في هيئتها التنفيذية، ولنقل القيادية، التي تتمثل في مجلس الأمن المؤلف من خمسة عشر عضوًا، وحق النقض الذي تستطيع به إحدى هذه الدول تعطيل أي قرار يتخذه المجلس، ولو بلغ عدد المصوتين بالموافقة عليه أربعة عشر عضوًا. فهي التي تستطيع من ثمَّ، منفردة أو مجتمعة، أن تسبغ الشرعية على هذه الدولة أو تلك أو تسحبها منها؛ وهي التي تقرر طبيعة ومستوى العقوبات التي يمكن أن تنزلها بهذه الدولة أو تلك، أو أن ترفض بكل بساطة إنزالها. سوى أن هاتَين الميزتين اللتين اختصت هذه الدول الخمس نفسها بهما تتويجًا لكل الامتيازات الأخرى التي تتمتع بها، تخرج عن كل القواعد التي أرادت هذه الدول نفسها أن تتميز بها منظمة الأمم المتحدة ومختلف الهيئات التابعة لها.

لن نستغرب، والحالة هذه، ولا سيما حين نعلم عدد المرات التي استخدمت فيها كلُّ واحدة من الدول الخمس هذا الحق منذ البداية، أن تحتل القوتين الرئيستين في مجلس الأمن: روسيا اليوم بعد الاتحاد السوفياتي بالأمس (نحو 120 مرة) والولايات المتحدة الأميركية (نحو 80 مرة)، مكانَ الصدارة في استخدام هذا الحق. كان واضحًا على الدوام أن استخدامه يعني في كل مرة تقديم مصلحة الدولة التي تستخدمه على مصالح الدول الأخرى جميعًا، وفي مقدمتها تلك التي يفترض أن القرار المعطل كان لصالحها. لكن الاستخدام المتكرر الذي تميزت به الولايات المتحدة الأميركية في كل مرة يمسّ القرار المقترح “إسرائيل” منذ قيامها حتى اليوم، والآخر الذي تميزت به روسيا الاتحادية خلال السنوات السبع الأخيرة، خصوصًا، في كل مرة كان القرار يمس نظام الأسد، كان يسجل واقعًا باتت اليوم صفاقته تفقأ العيون وتصمّ الآذان!

“إسرائيل”، المدينة بوجودها كدولة إلى منظمة الأمم المتحدة، تكاد تكون الدولة الوحيدة التي صدرت بحقها عشرات القرارات التي عطلتها الولايات المتحدة باستخدامها حق النقض. أما قرارات الجمعية العامة غير القابلة للإبطال والتي صدرت أيضًا بحقها، فقد بقيت حبرًا على ورق في سجلات المنظمة الدولية، وشاهدًا تاريخيًا لا على “الديمقراطية” المزعومة في هذه المنظمة فحسب بل كذلك على شلِّ قدرتها على تحقيق الآمال التي عقدت عليها حين قيامها.

أما النظام الأسدي، الذي بقيت هذه المنظمة تمنحه شرعية لم يكن شعبه قد منحها له في الأصل، فإنه في الوقت الذي كان يفقد توازنه بالتدريج شعبيًا وعسكريًا وسياسيًا على الصعيد المحلي والعربي، هرعت روسيا لإنقاذه ولكي تقدم له منبره الوحيد في هذه الهيئة الدولية، يعرض فيها أكاذيبه وتلفيقاته تحت دعمها وحمايتها، في الوقت الذي كان يمارس جرائمه يوميًا ضد شعب بأكمله، سجنًا وقتلًا وتهجيرًا.

هذا التناوب في استخدام حق النقض بين روسيا دفاعًا عن الطغمة الأسدية، والولايات المتحدة حماية لدولة الاحتلال والتمييز العنصري “إسرائيل”، يقول ما آل إليه مجلس الأمن، بعد نيف وسبعين عامًا على تأسيس المنظمة التي يقوم بدور هيئتها التنفيذية: مسرحًا يتبادل فيه ممثلو الدول الأعضاء، الدائمة والمؤقتة، فضلًا عن الدول المعنية بموضوع النقاش والتي تدعى بصفة المدّعى عليه خصوصًا، ممثل الطغمة الأسدية أو ممثل الطغمة الإسرائيلية، عرض حججهم، وتبريراتهم، وتلفيقاتهم، وأكاذيبهم، كي ينتهي الأمر إلى التصويت على القرار بأكثرية تجيز اعتماده، لولا رفع الممثل الروسي أو الأميركي يده معترضًا وناقضًا.

من قريب، أو داخل أروقة مجلس الأمن أو قاعة الجمعية العمومية، يحول ما يراه المرء، من انهماك الدبلوماسيين والموظفين الأمميين وممثلي الدول الأعضاء في اجتماعاتهم ومشاوراتهم والرسائل المتبادلة فيما بينهم، دون أن يرى العبثية وراء كل ذلك أو خلاله. فالإجماع على ضرورة هذا العمل أو على نجوعه بهذا القدر أو ذاك، يكاد يعمي الأبصار عن الحقيقة المرة التي كان قلق الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كيمون، الذي حفلت تعبيرًا عنه تصريحاته، يقولها صراحة: ذلك هو أقصى ما يستطيع رأس المنظمة الأممية أن يفعله. وقد سبق لأحد أسلافه، بطرس بطرس غالي، أن دفع الثمن حين جرؤ، بمناسبة مجزرة قانا على حدود لبنان الجنوبية، على ممارسة صلاحياته كاملة، مخالفًا ما طلبه منه المندوب الأميركي آنذاك؛ وكان هذا الثمن رفض الولايات المتحدة التجديد له عند انتهاء ولايته الأولى.

أما من بعيد، فتبدو لنا العبثية طابع هذه النشاطات المحمومة والاجتماعات التي تتوالى عددًا من الأيام، وتتخللها مناقشات أو مفاوضات جانبية وسرية لتعديل هذا القرار أو ذلك، في محاولة للحمل على قبوله واعتماده، كي تنتهي، كلما تعلق الأمر بفلسطين والفلسطينيين، أو بإدانة الطغمة الأسدية، إلى الفشل ومن ثمَّ إلى استخدام حق النقض الذي يعدم القرار الذي أصرّ مقدموه على التصويت عليه. هكذا لا يبقى من كل هذه الجلسات سوى الخطابات، بما انطوت عليه من استعراض للقوة لدى الدول الكبرى أو من تنفيس عبر محاولات في المحاججة لا تقنع أحدًا حتى من يقوم بها!

هكذا نتساءل اليوم: ما قيمة النصوص والقرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة التي تعتبر الاعتراف بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل” باطلًا كأنه لم يكن، أمام تجاهل مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن لها حين كان الجميع يذكرها بها، والتي راحت، بدلًا من تفنيدها أو تكذيبها، تتحدث عن “واقع تاريخي” يعود إلى ما قبل ثلاثة آلاف عام، مصدره الوحيد كتاب العهد القديم؟ وما الذي يمكن انتظاره من هيئةٍ باتت، بفعل الصراع بين الكبار، مشلولة كليًا وعاجزة عن القيام بمهماتها، وصارت أشبه بالمخدّر الذي تزرق به الشعوب التي ما تزال تناضل من أجل حريتها وكرامتها كالفلسطينيين والسوريين، بما أنها تسمح -أحيانًا- لممثلي حماتهم أو أنصارهم من الدول التي تدعمهم، أن يقولوا كلمتهم خلال نصف ساعة في مواجهة دفق خطابات العداء والعنصرية والتلفيق السياسي والتاريخي؟ لا شك أن مثل هذه الخطابات -كالذي ألقاه مندوب بوليفيا في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن، وذكر فيه أسماء عدد الفلسطينيين من المراهقين والشباب الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي قبل أيام، مسميًا الأشياء بأسمائها (إسرائيل دولة احتلال)، ومعترفًا في الوقت نفسه بالعجز الكامل عن تحقيق آمال الفلسطينيين- تبدو ذروة في التعبير عن المأساة الأخلاقية والإنسانية التي وقع فيها مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة على أيدي روسيا بالنسبة إلى السوريين، وعلى أيدي الولايات المتحدة بالنسبة إلى الفلسطينيين والسوريين معًا، خلال الأعوام الماضية.

هكذا تعيش دول العالم وشعوبها تحت هيمنة وسلطة وإرادة القوتَين العظميين: روسيا والولايات المتحدة، اللتين تمارسان أبشع صور الديكتاتورية على صعيد العالم كله. ذلك ما يفسر أن كلًا منهما باتت ملجأ النظم الاستبدادية في مختلف أرجاء العالم، كي تبقى مستمرة في عنتها وجرائمها تحت حماية إحدى هاتيْن القوتين، وفي خدمة مصالحهما معًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق