أدب وفنون

(أخت وأخ) رحلة البحث عن الذات

تأخذ الروائية الألمانية أولا لينتسه القارئ، في روايتها (أخت وأخ)، في رحلة اكتشاف تأملّية شيّقة إلى الهند، وجبل كايلاش المقدّس في التيبت، الذي يبجّله البوذيون والهندوس. لا تقتصر الرحلة على اكتشاف سحر الطبيعة، وتنوعها في بلد شاسع الامتداد كالهند، بل تبحر في عمق النفس البشرية، وتناقضاتها الذاتية، كي تصل في نهاية المطاف إلى أن الذات الإنسانية لا تختلف باختلاف الجغرافية، وأن مقولة: “الغرب غرب، والشرق شرق” هي مقولة غير دقيقة تمامًا؛ لأن الإنسان هو في العمق واحد، على الرغم من سلطة الأديان والإيمان وتنوّع الثقافات، والقصص التي تُروى عن الغرب والشرق.

تظهر الكاتبة من خلال رحلة الأخت والأخ في مجاهل الهند، كيف ينتمي البشر -بكل أطيافهم وألوانهم- إلى بعضهم البعض، وبالتالي فإن ما هو في الظاهر متباعد، هو في الحقيقة قشرة سطحية من اختلاف الطقوس والعادات والمذاهب والديانات، بيد أن الإنسان هو ذاته أمام هواجس المرض، والموت، وألغاز الحياة، والتفكير بما بعد الموت، وما وراء الطبيعة. تختلف التأويلات، لكن الجوهر واحد.

تنهض الحبكة الروائية، على علاقة ملتبسة أساسًا بين الأخت والأخ. يعود الأخ لوكاس إلى ألمانيا، بعد رحلة عام كامل قضاها في الهند. تندهش شقيقته مارتا التي استقبلته في المطار، للتغيرات التي طرأت عليه. “لقد بات شعره الآن قصيرًا، حتى المرء ليرى بشرة الرأس من تحته، وكان قد انطلق بشعر طويل”.

يبرز التناقض بين الشخصيتين، من خلال جمل حوارية قصيرة ومكثّفة بينهما، حيث تبدو الأخت، بتفكيرها وسلوكها العملي، تجسيدًا للشخصية الألمانية الصرفة، بينما نلمح تأثيرات رحلة الهند على سلوك وأفكار الأخ، وبالتالي التغيرات التي طرأت على شخصيته، ومن ثم تتكشف شيئًا فشيئًا الفجوة بين الشخصيتين.

يرغب الأخ في سرد قصة رحلته إلى الهند لأخته، رغم معرفته أنها لا تنسجم مع أفكاره. تومئ موافقةً على سماعه، مع أن مفكرتها مزدحمة بأوقات محاضراتها في الجامعة، والمشاريع التي تشتغل عليها، إضافةً إلى مواعيدها مع صديقها الحميم.

يقول الأخ: “لقد حدث شيء، في البداية تمامًا، ثم باتت المسألة لا تتعلّق إلا بهذا…”.

من الملاحظ أن سرد قصة الأخ كان يتقطع، كلما اتسعت الفجوة بين الأخوين. لكن سرد الكاتبة على لسان الشخصيات ينحو عمومًا إلى تداخل الأزمنة والأمكنة، وإلى استرجاعات متقطعة من الذاكرة، ودائمًا في جمل قصيرة، ومكثّفة، بحيث تجعلنا كقرّاء نرى من خلال عيون لوكاس وانطباعاته: مدينة بومباي، ومسيرته إلى “غوا”، والحافلة التي استقلها، والتي تشبه “تابوت من الصفيح”، و”سلسلة الجبال التي يغشاها الظلام”، “والسكان المحليين بأزيائهم الغريبة”… بيد أن الحدث الأبرز هو لقاء لوكاس مع معلّم دين هندوسي، صعد إلى الحافلة. “كان مديد القامة، مستقيم الوقفة، يرتدي إهابًا مثل لون الزعفران… يضع على عينيه نظارةً شمسية”.

يقول لوكاس: “فجأةً اتجه نحوي، رفع النظارة الشمسية، لقد كان أعمى؟ قررّت أن أنظر في محجري عيني الرجل مباشرةً، في هذين الظلين الأشهبين الليّلكيين. شعرت بدبيب كدبيب النمل يصعد في ظهري… وحين توقفت الحافلة خرج، ناديته، فقال يأمرني: واصل مسيرتك، فسألته: إلى أين؟ قال: سوف يرى كلٌ منا الآخر مرةً أخرى”.

ثمة جمل مفتاحية في الرواية. تبدو للوهلة الأولى كأنها عابرة، لكنها في الحقيقة هي بمثابة الأساس الذي بنت الكاتبة عليها صرح روايتها. تتكشف هذه المسألة من خلال التوغل في سرد الأحداث.

تقول مارتا: “يستعيد أخي قوته وتماسكه… ثم يقول إن هذا يعني بالسنسكريتية (دهارما)، وإن هذا شيء يختلف عن (الواجب) الألماني، وينظر في عيني…”.

هل يعني هذا أن العصر القديم، والنزعة الإنسانية في الغرب، وكنط، وبروسيا… كل هذا ذهب إلى غير رجعة، في اللحظة التي ناداه فيها الكاهن قائلًا: “دهارما” عبر شارع القرية؟!

نلهث بتشوق خلف السرد والأحداث كي نفكك تلك الألغاز؛ إذ في الوقت الذي غيّر لقاء الأخ مع الراهب المتجوّل مفاهيمه، كانت الأخت تعارض روايات شقيقها التي لا تصدّق. هي لا تتقبل أن أخاها اقتنع بما قاله له الراهب الهندوسي، ولا تتقبل أن أخاها اقتنع، بأنه مسكون بروح ضابط إنكليزي، اتبع قبله معلم دين هندوسي، ومن واجبه أن يحمل رماده، ويذهب إلى جبل كايلاش المقدس كي ينثره، وبذلك يمحو خطاياه، ويتحرّر من تجسّده السابق…

تتطور أحداث الرواية، حينما لا تستقيم حياة لوكاس بعد عودته إلى موطنه. هو من جهة لم يكمل رحلته في الهند، كما طلب منه الراهب الهندوسي، ومن جهة أخرى لم يعد إلى سيرته الأولى في وطنه. أصبح غريب الأطوار. لا ينسجم مع أخته، أو أصدقائه، أو والديه. ينتابه المرض، ويشتد عليه، ويُصاب بالعمى. يُقلق الأمر أسرته. يدخل المشفى ويجري فحوصات كاملة. لا يجد الأطباء سببًا عضويًا للعمى الذي أصابه، ويجمعون أن السبب نفسي، وليس بمقدور أحد سواه أن يساعده على الشفاء، حتى الطبيب النفسي يعجز عن معالجته، لأنه لا يستجيب للعلاج، ويرفض الإجابة على أسئلته. يعتقد من جهته أن فقدانه بصره هو إشارة له كي يعود إلى الهند، ويكمل رحلته؛ لذا يطلب من أخته أن ترافقه في رحلته للعثور على الراهب الحافل بالألغاز من جديد. ترفض الأخت فكرة مرافقة أخيها إلى الهند، لكنها تذعن للأمر بعد تعرضها لضغوط شديدة من أخيها، ووالديها، رغم عدم قناعتها بالمسألة من أساسها.

ثمة نقلة جديدة في تطور الأحداث، وتشابكاتها، مع بدء رحلة الأخوين المتناقضين. تعيش مارتا حالة من النوسان، بين رغبتها في مساعدة أخيها، وعدم قناعتها بأن الرحلة ستكون وسيلة لشفائه. تصدمها بعض المشاهد منذ لحظة نزولها في المطار. تقرر العودة إلى ألمانيا، وعدم إكمال الرحلة، لكنها لا تجد حجزًا إلا بعد أسبوع. خلال تلك الفترة تعيد حساباتها، وتوافق على متابعة الرحلة، وتقود أخاها المكفوف إلى البحث عن سرّ يوجد بين الأخوين كليهما، دون أن يدركا ذلك. يتكشف لهما ذلك من خلال مكابدة الصعوبات، والمفاجآت أثناء الرحلة، واستعادتهما ذاكرة الطفولة، والجدة المريضة، وخزانتها، وشغفها بفطيرة التفاح المشوية، وهي على فراش الموت… يكتشفان كم هي محفورة في داخلهما تلك المسائل الروحانية البسيطة، لا سيّما حينما تتقاطع مع حكايات سائق التكسي الهندي عن أمه، الذي اتفقا معه كي يوصلهما إلى المكان الذي يبحث فيه لوكاس عن معلم الدين الهندوسي.

تتحدث مؤلفة الرواية أولا لينتسه، بنظرة ثاقبة عن الضيق الذي يهدّ الأخوين، الأمر الذي يغيّر من قناعات الأخت، كلما اكتشفت ذاتها على نحو أكثر عمقًا، وتفهمت الآخر الذي يمدّ لهما يد المساعدة في اللحظات العصيبة، وهذا ما يقربها من أخيها، الذي عاد إليه بصره، بعدما ضاع عنها، وشارف على الموت بسبب اشتداد المرض عليه.

في إشارة ذات دلالة، ترتدي مارتا في الليلة الأخيرة لهما في الهند “الساري”، ويتوقف لوكاس عن بحثه عن رجل الدين الهندوسي المكفوف. لقد اكتشف ذاته، بعد التجارب الصعبة التي مرّا بها، وأدرك أن لقاءه مع رجل الدين هو مجازي، فالمرء لا يستطيع أن يتصالح مع العالم الخارجي ما لم يكتشف ذاته، وبالتالي تتوضح رؤية الكاتبة التي تأخذ القراء معها في مغامرة تتناول سلطان الإيمان، والقصص التي تُروى عن الشرق والغرب، وتظهر كيف ينتمي، بعضه إلى بعض، ما هو في الظاهر متباعد التباعد كله.

صدرت الرواية عن دار كنعان. ترجمها عن الألمانية محمد جديد.

وُلدت الكاتبة أولا لينتسه عام 1973 في مونشن- غلادباخ، ودرست الموسيقا والفلسفة في كولونيا. حازت الرواية على جائزة يورغن بونتو عام 2003، وجائزة رولف ديتر برنكمن التشجيعية في مدينة كولونيا، وفي مسابقة باخمن الفرانكفورتية، بجائزة إرنست فيلنر.

مقالات ذات صلة

إغلاق