هموم ثقافية

التنوير في الرواية العربية

لأنّ الرواية باتت الجنس الأدبي الأكثر جماهيرية في عالم اليوم، ولأنها أكثر كتب الأدب تداولًا وتطلّبًا وإمتاعًا، وذلك لما تقدمه من معرفة مغايرة من جهتين: مضمون مادتها من جهة، وأسلوب تقديمها الذي يقوم على قصةٍ ما، تتضمن أحداثًا معينة من جهة أخرى. وبمعنى آخر: “إن الرواية لا تكون مميزة فقط بمادتها، ولكن أيضًا بواسطة هذه الخاصية الأساسية المتمثلة في أن يكون لها شكل ما، بمعنى أن يكون لها بداية ووسط ونهاية”، والشكل هو مجموع الوسائل والحيل الفنية التي اختارها الراوي، لكي يقدم قصته من خلالها، حيث يلعب الأسلوب دورًا خطيرًا في بناء العمل الروائي وتكامله شكلًا ومضمونًا، ومن ثمّ نجاحه.
أما من جهة المادة، فالثابت أنّ لجنس الرواية علاقة وطيدة، في فكر النهضة وأفكار المنورين الكبار، إن لم نقل إنها إحدى حوامل فكر النهضة التنويري، بل ساهمت في تحويل هذا الفكر إلى سلوك ومواقف وافكار، تقوم بها وتتبناها كائنات افتراضية (شخصيات)، تملك حرية الرأي والاختيار وتتحاور باستقلالية، ويعترف كلّ منها بالآخر، وكل هذا يقع في صلب التأسيس للوعي التنويري الديمقراطي. ومن هنا، من هذه الأهمية البالغة للأعمال الروائية ولمدى رواجها، وخطورة هذا الدور الذي يمكنها أن تلعبه في الوعي العام؛ اعتُبرت الرواية عملًا تنويريًا، لا يكتفي بالبناء على المنجزات التحررية للمنورين وأفكار التنوير، بل يؤثث لها في مساحات اجتماعية أوسع وأشمل من تلك المساحات التي تفاعلت مع المنورين الأوائل، بدءًا من رفاعة الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم، وفق ما يؤكده الدكتور جابر عصفور، في مسألة التنوير في الرواية العربية.
أشار الدكتور جابر في دراسة تأريخية نقدية شاملة وواسعة، في كتابه (الرواية والاستنارة) الصادر ضمن سلسلة كتاب “دبي الثقافية”، إلى أسس التنوير الذي شهدته الرواية العربية المعاصرة، وكيف أنتجت الطبقة المدنية الوسطى أدبًا جديدًا، احتجز له مكانة لدى كتابه وقرائه، تكاد تفوق مكانة الشعر العربي لديهم، مؤكدًا التلازم الوثيق بين ظهور فن الرواية عربيًا، وعصر أو فكر الاستنارة، من خلال “ثيمتين” متداخلتين ومتكاملتين، هما الوعي المديني ودور المرأة، الذي قدمته كوكبة من مفكري عصر النهضة العربية، حين أوجدوا منظومة تقدمية “أعلت من شأن العقل على النقل، والاجتهاد على التقليد، والتسامح على التعصب”، وكمّلوا بأعمالهم وأدوارهم الدور الذي أدته الترجمة عن الغرب، معتبرًا أنّ نقطة البداية تعود إلى عام ولادة المنورين الكبيرين: طه حسين، وعباس محمود العقاد 1889، ومحددًا طبيعة هذه الاستنارة، بكونها تشكل رفضًا للمفاهيم التي انقضت ضروراتها، وتبنّي بصيرة مستقبلية استشرافية، تنطلق من حدة الانتباه لمعطيات اللحظة الراهنة، وبمعنى آخر: إنها ذلك الفكر الذي يبني على ما كتبه رفاعة الطهطاوي، بعد رحلته إلى باريس وكلّ من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
انطوت رؤية هؤلاء النهضويين على نزعة عقلانية أساسية، هي نوع من الوعي المديني المحدث، الذي يجسد الوعود بالمجتمع المدني، ويستجيب لمعاني العقد الاجتماعي المؤسس للدولة المدنية الحديثة، بانين على ما تشرّبته المدينة الحديثة من مفاهيم، أدت إلى تغيير علاقات الثقافة، وأدوات إنتاج المعرفة في المجتمع، حيث أدّى التسارع في حركة الاستنارة العربية، بمضمونها التحرري، إلى إزاحة الشعر عن الواجهة باعتباره لغة العواطف والأحاسيس، لأن متغيرات العصر الموضوعية قد أحوجت إلى أجناس فنية، تشكل معادلًا إبداعيًا، لنمو عقلها النوعي الحداثي؛ لذا جاءت الرواية باعتبارها (ميتافيزيقيا العقل) تلبية لذلك، ولتكون هي هذا المعادل الفني الإبداعي لعقل المدينة المحدث، وهي البداية التي تؤصّل مبدأ الحرية وثقافتها الملازمة للوعي المديني في حركة اجتهاده المتعددة الأبعاد، والذي يفتح الأفق لحرية العقل في الاجتهاد وتحريره من سلطة النص، فيجسد علاقات التنوع والمغايرة والاختلاف، لذا فقد وجد جابر عصفور في ازدهار فن الرواية العربية الوجهَ الإبداعي العقلاني الذي يجسد علاقة رواية عصر النهضة، بعقلانية التراث العربي الإسلامي وعقلانية عصر الأنوار الأوروبي، في آن معًا.
عكست تلك الروايات تصارع الأفكار، التي احتدمت بين أنصار الاتباع ودعاة الإبداع. وقد استشهد المؤلف في هذا الصدد بما كتبه فرنسيس فتح الله المرّاش 1836- 1873 في كتابه (رحلة باريس)، وعلي مبارك حينما وصف متغيرات المدينة المتحولة، القاهرة، في المجلدات الأولى من كتابه (الخطط التوفيقية).
لقد شكلت سرديات الرحلة إلى عواصم التقدم إحدى نقاط البداية، التي سرعان ما تحولت إلى قص روائي حديث، فقالب الرحلة الوصفي في (تخليص الإبريز) ظلّ ملازمًا للسرد الروائي في “علم الدين” التي جاءت بعدها بثلاثين عامًا، كما أن توتر الدهشة، في رحلة المكان والزمان والوعي، لا يتغير جذريًا ما بين العملين اللذين لا يكفان عن التأمل في متغيرات التحديث المرتبطة بحضور الآلة، التي أثرت بدورها في الوعي المحدث تأثيرًا كبيرًا.
وفي قضية المرأة، يشير جابر عصفور إلى أن اتساع رقعة التعليم المدني للبنات، قد أفضى في مصر والشام إلى ظهور عدد من كاتبات الرواية اللائي سبقن قاسم أمين، في الدعوة إلى (المرأة الجديدة) وتحريرها بوساطة الكتابة، ومن داخل فعل الكتابة في الآن ذاته، وذكّر بالكاتبات الأربع: عائشة التيمورية، أليس بطرس البستاني، لبيبة هاشم، وزينب فواز، اللواتي يعتبرن رائدات الرواية العربية في القرن التاسع عشر، إلى جانب ظهور الصحافة النسائية كمجلة (الفتاة) الشهرية، التي أنشأتها هند نوفل في الإسكندرية سنة 1892، ومجلة (أنيس الجليس) التي أسستها ألكسندرا مليتادي في السنة نفسها، ومجلة روز حداد (السيدات والرجال) سنة 1925، وهكذا فقد اتسعت رقعة النشاط الصحافي النسائي، وبرزت على الساحة مجموعة من المجلات من بينها مجلة (فتاة الشرق) التي أصدرتها لبيبة هاشم، ومجلة (المرأة المصرية) التي كانت تصدرها باسمة عبد الملك، وتضافرت هذه المجلات مع غيرها من الصحف، معبرة عن الوعي المديني المحدث، وعن حضور قوي للمرأة الكاتبة والمبدعة.
ولقد استجابت القصص المترجمة في الصحف والمجلات، إلى رغبات شرائح من قراء الطبقة الوسطى، وما لبث بعض أفرادها أن تحوّل من القراءة السردية إلى إنتاج السرد الكتابي، بالاستفادة من توفر أدوات المعرفة، والتي راحت تتأصل في وعيها المكتسب النزعة الإنسانية بفعل التنوّع في الأعراق والأجناس والطوائف والمعتقدات، والذي جذّر بدوره في عقول أبناء المدينة طبيعةَ الشعور بوجود الآخر، وأهمية وجوده في تأكيد الحرية الفردية واستقلالية الشخصية والحوار البناء مع الآخر.
في المحصلة النهائية؛ تعدّ كل هذه الإنجازات التنويرية أسسًا أولية، لاستنارة أوسع وأعمق قدّمها جيل أحدث من الرواة كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهما، وما زالت تتوالى على أيدي روائيين معاصرين أفذاذ على امتداد بلاد العرب.

مقالات ذات صلة

إغلاق