أدب وفنون

مقامة المصالحة الوطنية

حدثني خاسر بن رباح قال:

تعطّلت عندي مطحنة البن، فكدت من عطالتها أن أجن؛ إذ ليس لي عنها براح، فكيف سأعدّ قهوة الصباح. فضاقت بي الحال، ولجأت إلى السؤال، فمن سيرشدني إلى كهربائي فهيم، بصنعته عليم. يعمل بجد، ولا يؤجل عمل اليوم إلى الغد.

وبينما أنا على هذه الحال من الضيق، وقد جف في فمي الريق، إذ ذُكر لي شاب رقيق، فتوجهت إليه لا أعي الطريق. ووصلت إليه ملهوفًا، فقد كان محله معروفًا. يعرفه أصحاب الحاجات، فقد نسجوا من حوله الكثير من الحكايات، ولهم عنده العديد من الثارات. وعلى الرغم من ذلك فقد لجأت إليه، ووضعت مطحنتي بين يديه، وتغاضيت عن كلام الناس، فربما لم يكن لافتراءاتهم أساس. ورجوته بشيء من التلميح، دون أن ألجأ إلى التصريح، أن يستعمل خبرته في التصليح. فاستقبلني بسرور، ووضع مطحنتي على الدور. وأظهر لي واسع خبرته، وحسن معرفته، على الرغم من قصر قامته. فالعبرة ليست بطول القامة، ولا بكبر الهامة، ما دام يعرف الأصول، ويقوم بما هو مأمول.

وبينما أنا أمامه، وقد أطربني كلامه؛ إذ أقبل عليه زبون، ودخل محله دخول المجنون، يحمل بيده سيشوار، رماه في وجهه دون اصطبار. وقال له: يا قليل الأمانة، والله إنّك تستحق مني هذه الإهانة. ثم إنه نال من مهنته، ونظر إلى خلقته، وبصق في سحنته. فرأيته لا يبدي حراكًا، ولا يروم عراكًا، بل أخذ يمسح البصاق، ويحمد نعمة الرب الخلاق، ويتمتم دون غضب ولا ضير: الله يكرم بالخير.

فذهلت مما رأيت، وفي مقعدي استويت. ونظرت إلى الرجل مستفسرًا، ولهذا التصرف مستنكرًا. فأدرك الرجل استغرابي، وعلم من نظرتي ما بي، وقال يوضح تصرّفه، ويشرح لي ما لا أعرفه: اعلم يا هذا أن هذا الرجل كذّاب، لا تأتيه الكرامة من نافذة ولا من باب. لا يصدق في وعد، وليس له عهد. فهو كشهر شباط، ليس لكلامه رباط. لقد وضعت عنده هذا السيشوار، وهو لا يحتاج إلى أكثر من عيار، فاستلمه عهدة، وأعاده لي خردة، بعد أن بدّل موتوره، وأصلح به أموره.

وفيما نحن على هذه الحال، وقد ارتفع بينهما الجدال، إذ أقبل علينا نفر من الرجال، فافسحنا لهم في المجال، وتوجهوا إلى صاحبنا بالسؤال: ألم تنته من العمل بعد؟ فنحن مع القوم على وعد. فنظرت إلى صاحب السيشوار، أريد أن أستقرئ الأخبار، علني أكشف بعض الأسرار، فرأيته يشير إليَّ أن مهلًا، فهو أكثر مني جهلًا.

ولم يلبث أن انكشف المستور، وتبيّنتِ الأمور، وبان ما خلف السطور، حين بدأ الحديث يدور. وظهر بشكل جليّ، ما بدا لنا قبل ساعة خفي، فنحن أمام رجل وطني، وإذ القوم أصحاب حميّة، وهم من جماعة المصالحة الوطنية، وإذ صاحبنا من المصلحين، ومن المهتمين بشؤون المواطنين. لا يستطيع النوم، إلا بعد اطمئنانه على القوم. يصلح ما أفسده الدهر، ومن لم يعجبه فليمت من القهر. فخرجت وأنا في حالة من الجنون. ولله في خلقه شؤون.

مقالات ذات صلة

إغلاق