هموم ثقافية

مثقفون مزودون بـ “كاتم” للضمير

عرفَت البشرية في العصر الحديث، وسائل قتلٍ استُحدثت مع عمليات الاغتيال بأسلحة مزودة بكواتم للصوت، كي تمرّ الجريمة “بسلاسة” دون انتباه أحد، وعُرف مستخدموها بأنهم الفئة الخاصة من القتلة المأجورين، لكن تلك الأسلحة اليوم، في زمن الثورة السورية والربيع العربي، تطوّرت بوسيلة ناجعة، مع ابتكار الطاغية السوري، مع بعض نخبه، مثقفين مزودين بـ كواتم أخلاقية، لهم المهمة نفسها، في أداء الجرائم وتمريرها، مع فارق أن صاحب السلاح هنا لا يختفي من المشهد، ولا يخاف انكشاف أمره وجريمته؛ بل يقف بكل قوة بجانب القاتل، إضافة إلى وظيفة مسح مكان الجريمة أو تبريرها، أو الطلب من بقية الضحايا الصمت.

لا يخفى على السوريين ما يفعله غزاة ديارهم، داخل الحدود وخارجها، ولا القتلة والمثقفون المأجورون، ولا يبحثون عن أسباب تشرح نصوص التوافق على إجهاض حلمهم. زمنهم الساحق مع الطاغية أبعد الالتباس في أماكن وأزمنة الثورة السورية، وأتاح لبوحهم المخنوق مدًى مختلفًا، ولأنه لا صوت يعلو على قرقعة البراميل والصواريخ، فإن الجولة الجارية الآن، في سياق سلسلة الجرائم الكثيفة على الشعب السوري، تضيف إلى وسائل الجريمة كاتمًا أخلاقيًا وإنسانيًا، وكواتم أخرى حملتها نخب ثقافية وسياسية وثورية، لم تتحرك طوال تعرض الشعب السوري لسلسلة من الجرائم الكبرى، في السنوات الماضية؛ وكان لأثر تلك الكواتم الأخلاقية فعلُ البراميل والصواريخ التي خرجت من سلاح الطاغية والمحتل، وصولًا إلى سلاح الكاتم الأخلاقي الذي يُجهِز على ما تبقى من أحلام الشارع العربي.

لعل النقطة الأساسية التي يُبنى عليها بوح السوريين الحزين، من المثقف الحامل إلى كاتم للضمير والأخلاق، هي المسافة الفادحة بين صلابة الجلاد في دمشق، وهشاشة الكواتم المعتقدة بأنها لم تزل تساهم في صياغة مشهد إنساني وثقافي، لكن بشكل هلامي، دون رؤية ودون وضوح، غير الذي عرفناه منحازًا إلى نقائض إنسانية وأخلاقية، ينبذ فيه الشكلُ المحتوى، وتدمر الصياغةُ المضمون، فتبدو الجرائم العديدة التي ارتكبها النظام، بكاتم ثقافي وسياسي وأخلاقي، تعبّر –مجازًا- عن مثقف يحمل كاتمًا، ويساعد المجرم في التسلل مجددًا إلى قائمة البرامج الثورية التي يُعدّها مثقفون ينتمون إلى بلاغة وأيديولوجيا، تساعد بعضها في التلون الثوري، مكّنت الطاغية من تحقيق أرقام عالية وغير مسبوقة من الجرائم المختلفة.

هذه الهشاشة تُلازم المثقف الثوري، والروائي القاص، والفنان التشكيلي الغارق في كل الألوان والهارب من دم الضحايا، والشاعر المتشرنق بإطلاق أوصاف “المجد” على سفاح شعبه، ومن السياسي الذي يشهد حريق مخيمه، يصمت طويلًا إلى أن توقظه قذيفة عدو صهيوني، ظنًا منه أن بوسعها كتم صوت البراميل والقذائف، وتريح الضمائر في البحث عن عشرات آلاف الجثث، وأن باستطاعتها دفن الضحايا الذين أسقطهم الأسد الصغير بكاتم يصدأ كل يوم.

يحمل النظام في دمشق، كاتم صوت المثقف والفنان والسياسي، يذخره؛ فيقدم المثقف “بزنسهُ” الثوري في إنتاج التزوير، يجعل من قتل السوريين وتدمير بيئتهم، فضيلةً “للتحرير”، وممرًا إجباريًا نحو القدس الموعودة في كتب الممانعة التي تقضم بثبات منقطع النظير كلَّ الشعارات، ويقضم المثقفون حبلًا رخوًا من شعارات زائفة، كشفت عن بؤس باهظ يبرر تدمير الإنسان ويمجد الطغيان، بكواتم أو بضجيج مفتعل، يستنفر أيديولوجيا تبقى في سبات أثناء ارتكاب الطاغية مجازره اليومية.

لم يكن السوري شاهدًا ساذجًا، على مشهد تاريخي رهيب منذ سبعة أعوام، يعبث فوق مسرحه الموت المتوالد، فقد كان هو المستهدف في حريته وكرامته، وما الحرب المعلنة عليه من غزاة دياره المحتلين، لإسناد الطاغية في دمشق، سوى شهادة تشرح كل الأسباب التي تحاول حرف الأنظار عن الجريمة الكبرى، رغم تهاطل الأقنعة وبرودة الكواتم الأخلاقية، وطقوس النخاسة التي يمارسها مثقفو كتم الضمائر. سيبقى السوري يشتقّ من مدنه وقراه وحواريه وزنازين الموت والأفران البشرية ونفاق المجتمع الدولي وتخاذل العالم وتخلي المثقفين، ومن كل الضحايا، يشتق ملايين الأسباب التي تربك مسرح الطاغية. لثورة السوريين روايتها المتناثرة مع جموع السوريين، لكنها لن تندثر -كما يحلم الطاغية- بواسطة كاتمه المثقف، لن يتنازل السوري عن روايته، فقد شاركته روايته وقصته كل الأمكنة التي اشتق عشقه منها، وتركته بين حناياه.

مقالات ذات صلة

إغلاق