أدب وفنون

(مترو حلب): الحرب وعالم الذكريات البديل

تطلّ الكاتبة مها حسن، من خلال روايتها (مترو حلب)، من شرفتها الباريسية على الحرب مجددًا، الحرب التي باتت معظم الأعمال السورية تهجس بها، تحاول الكاتبة أن تتخطّى عنف الحرب الذي تمارسه مختلف الأطراف، بالفرار إلى الماضي، والذكريات التي تحاول من خلالها أن تؤثث عالمًا بديلًا، يمكن اللجوء إليه من سعير حرب يطال السوريين أينما ذهبوا.

شعور واحد أصبح يخامر السوريين: لا مكان في العالم يمكنهم اللجوء إليه، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وحين يجد البعض منهم مكانًا يفر إليه، يحمل بلده داخله وتفاصيل حياته الماضية، وصراعاته وخلافاته مع الآخرين؛ فالحرب أصبحت حاضرة في لا وعيه، كقدر يصعب الفكاك منه.

ترصد الكاتبة في روايتها بدايات الثورة في مدينتها حلب، التي تتحوّل تدريجيًا إلى مكان مسكون بالموت، يحاول سكّانها البحث عن عالم بديل في بلاد أخرى، ومنها أسرة (سارة) التي تتولّى السّرد في القسم الأكبر من الرواية.

تبدأ الرواية بانتقال (سارة) بمحض الصّدفة -كما اعتقدت- إلى باريس مع اندلاع الحرب في مدينتها، على إثر طلب من خالتها (أمينة) التي تقف على تخوم الموت، وتتفاجأ سارة بهذا الطلب، فهي لا تعلم إلا القليل عن هذه الخالة التي قفزت فجأة إلى حياتهم، من دون سابق إنذار.

في باريس، تعيش سارة في عزلة خانقة فرضتها على نفسها، بعد أن عجزت عن التأقلم مع من يطلقون على أنفسهم اسم “المعارضة”، وهم -برأيها- ثلّة من اللصوص والتّجار، تحلّقوا حول مائدة الثورة من أجل غايات شخصيّة، واكتفوا بالهتاف لها من بعيد، وخلف الصّور واللافتات التي يحملونها، تختفي نفوس امتلأت بالكراهية للآخر والحقد عليه، فضلًا عن التّهم التي يكيلونها لبعضهم البعض: (يظنّون أنّهم يشاركون في الثورة بالتقاط الصور، وهم يرفعون أصابعهم بإشارة النصر، مع أساور علم الثورة الأخضر، في معاصمهم. لم أفهم انتصارهم ذاك. على ماذا انتصروا وعلى من؟ نصف الشعب السوري صار نازحًا وربعه مات تحت نيران النظام، كما تحت نيران المعارضة. أين الانتصار وسط ذلك الخراب؟).

تقوم الرواية على الفقد والحنين، ذاك الداء الذي يستعصي على الشفاء، تزداد وطأة الفقد بموت الخالة، وتنبثق في روحها أخاديد من الألم لا تستطيع الخلاص منها، تراودها فكرة العودة إلى حلب التي دقّت طبول الحرب فيها، تقارن البطلة كلّ الأمكنة في باريس، بأماكن أخرى شبيهة في حلب، لتبقى في حالة تأرجح بين البقاء والعودة، حتى إنها تخال المترو الذي تستقله في باريس سيحطّ بها في حلب حتمًا.

تدريجيًا؛ تنقلب الحياة في باريس إلى كابوس يجثم على صدرها، وتلك الأشرطة التسجيلية التي تركتها لها الخالة، تحمل في ثناياها حقيقة صادمة لسارة، تكتشف أن خالتها أمينة هي أمها الحقيقية، وهدهد التي ربّتها في حلب هي خالتها التي تولّت رعايتها، بعد أن تخلّت عنها أمها وهي رضيعة، ورحلت خلف طموحها إلى باريس، لتصنع مجدها فوق مسارح باريس.

وهكذا تتزوج هدهد من زوج أختها وترعى طفلتهما، هدهد العاقلة الرّصينة التي تتحمّل حماقات أختها وتنال التوبيخ من أمها على أخطاء ترتكبها أختها: (حُبستُ في دور العاقلة، الرّصينة، الهادئة، ونجوتِ أنتِ عبر أدوار التمرّد والجرأة واللامبالاة).

تصبح الحرب بالنسبة إلى سارة في المنفى، مجرّد تفصيل جانبيّ رغم قساوتها، تشاهد الأخبار متعجّلة، لتوصل لنا رسالة مفادها: من يخرج من الحرب لاجئًا؛ يصبح بعيدًا منها، ويفقد مع الوقت معركته، ويدخل في معارك أخرى جانبية ولّدتها الحرب الممتدة، من فقدٍ وغربةٍ وحنينٍ وحقد.

كأن الكاتبة في هذه الرواية تنكأ جروح السوريين على الملأ، تقف على مسافة واحدة من كلّ الأطراف، وتعبر مستنقع الثورة الذي سقط في أوحاله كثيرون، لم تنحز إلى أيّ طرف من الأطراف المتصارعة، بل تدين النظام والمعارضة، وتعتبرهما المسؤولين عمّا آلت إليه الثّورة.

حين تنتهي سارة من الشرائط التسجيلية التي تركتها لها خالتها، وتدرك الحقيقة كاملةً؛ تنهار كليًا وتغيب عن الواقع، تتوه بين المحطّات، لا تعرف طريق العودة إلى بيتها، موت خالتها هدهد بقذيفة طائشة آلمها، تلك القذيفة التي نسفت حقائق وأشياء لم تعرفها سارة، وبقيت حبيسة خالتها، وتلك الحقيبة التي أودعتها عند صديقة لها عارفة، نصحتها بالتخلّص من حقيبة أختها وأشيائها، لتتوقف تلك الكوابيس التي تراودها كل ليلة، وتمنعها من المضيّ قدمًا في حياتها الزوجيّة مع وليد.

آلمها أن تتخلّى عنها أمها من أجل النجومية، وأن تحتضنها خالتها، وتتخلّى عن حبيبها، لتعيش حياة ليست حياتها، وحين أتاح القدر لها الاجتماع بحبيبها عادل، سقطت تلك القذيفة فوق العيادة، لتنسف معها كل أمل بحياة ممكنة.

تختار سارة في النهاية أن تعود إلى حلب مع يان، صديق أخيها الذي تعطيه دروسًا في اللغة العربية؛ ليوثّقا معًا الأحداث التي تحصل، فهو بحاجة إلى سارة ليستعين بها في كسر حاجز اللغة، كما أن وجودها معه سيكون مبعث اطمئنان للنسوة اللاتي سيحكين عن معاناتهن لها. ستكون سارة بمثابة جسر يمتدّ بينه وبين الناس هناك، بعد أن عجزت باريس المدينة التي يحلم بها كثيرون عن تعويض سارة عن مدينتها حلب.

مقالات ذات صلة

إغلاق