هموم ثقافية

“زرع السيف أخضر”

عن بعض صور الحياة في الأمثال الشعبية

أُريقَ كثير من الحبر فوق أكوام من ورق، شكّلت كثيرًا من الكتب؛ لجعل الثقافة روح المجتمعات وديناميكيتها، منها ما يخاطب العقل على أنه عقل مفارق قادر على التحليل والاستقراء والاستنتاج، ومنها ما يخاطب العقل على أنه عقل “مخارج“، يدور في حلقة الأسلاف وأقوالهم وأفعالهم. وقد عمل كثير من المفكرين والباحثين في العالم العربي على التمييز بين الثقافات الحديثة والقديمة، وعلى وجه الخصوص الثقافة الشفوية المتمثلة بالأمثال الشعبية التي ما زالت سائدة حتى وقتنا الراهن.

ميّز فؤاد زكريا، في كتابه (خطاب إلى العقل العربي)، ثلاثة أشكال من الثقافة: أولها الثقافة، كما يستعملها علماء الاجتماع، وهي “ذلك الكل المعقد، الذي يشكل المعرفة والاعتقاد والفن والقانون والأخلاق والعرف، وأية قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه فردًا في مجتمع”.

والثاني هو الثقافة بالمعنى الإنساني الرفيع، يمكن تعريفها بأنها “صقل الذهن والذوق والسلوك وتنميتها وتهذيبها، أو ما ينتجه العقل أو الخيال البشري لتحقيق هذا الهدف”. ويمكن أن نضيف أن هذا المعنى الإنساني الرفيع هو البعد الكوني لأي ثقافة.

والثالث هو الثقافة الشعبية، التي تختلف عن الثقافة بالمعنى الاجتماعي، لأنها تتعلق بنواتج وأعمال ثقافية يقوم بها متخصصون، مهما كان مستواهم، وليست مقصورة على القيم والعادات وأساليب التفكير، التي يتلقاها المرء تلقائيًا من المجتمع، ولكنها أيضًا مختلفة، كما يدل اسمها، عن الثقافة الرفيعة، لأنها ترضي ذوقًا شعبيًا واسع النطاق، وتتعلق بنواتج ثقافية تحتاج في إبداعها وتذوقها إلى جهد يقل كثيرًا عن الذي تحتاج إليه الثقافة الرفيعة.

المثل الأعلى للثقافة -في رأي فؤاد زكريا- هو “العلو إلى أقصى حد ممكن بالتكوين العقلي والروحي والأخلاقي للإنسان، بطريقته في التفكير وتأمل العالم وتذوقه، أي أن تصبح الثقافة تكوينًا باطنًا، داخليًا، تلقائيًا في الإنسان، لا يعود معه محتاجًا إلى عون خارجي. وقد ذهب هربرت ريد إلى حد القول: إن المثل الأعلى للثقافة هو أن تختفي الثقافة، بمعنى أن تصبح مندمجة في شخصية الإنسان حتى دون أن تُعرض على مسرح أو تُقدم في كتاب”. وهذا يشبه التعريف القائل إن “الثقافة هي ما يتبقى، بعد أن ننسى كل شيء“.

السؤال الذي يطرح نفسه على المعنيات والمعنيين من المهتمات والمهتمين، بمسائل التربية والتنشئة ونظم التعليم، والمؤسسات الثقافية، وبالتنمية العادلة والتقدم: ما الذي يتبقى من ثقافتنا الشعبية بعد أن ننسى كل شيء؟

المؤسف أن الذين يتغنون بالثقافة الشعبية، ويعتبرونها عنوان خصوصية مجتمعاتنا وتميزها، أي معاندتها للحداثة ونفورها من الابتكار والإبداع والتجديد.. لا يطرحون هذا السؤال، ولا يخبروننا لماذا تظل الهوة واسعة بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية الشفوية الطابع، على الرغم من انتشار التعليم أفقيًا وانتشار الطباعة والمكتبات والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام الجماهيري. من يرجعون هذه الهوة الفاغرة إلى التفاوت الاجتماعي أو التقسيم الاجتماعي للعمل محقون طبعًا، ولكنهم ينسون أثر الاستبداد المديد والشامل والعميق، وآليات إعادة إنتاجه في الثقافة والأخلاق، لا في السياسة فقط.

ولما كانت الحكم والأمثال أو الأقوال السائرة من أبرز فروع الثقافة الشعبية، لأنها تكثيف للتجارب الحية والمعيش اليومي؛ فإنها أكثر دلالة على الثقافة المندمجة في شخصيات الأفراد رجالًا ونساء، وعلى كيفية تفكيرهم وإدراكهم وتدبير شؤونهم، لذلك نرجح أن أهم ما يتبقى من ثقافتنا الشعبة هو ما يدور، من المعاني والقيم، إما حول اتقاء السلطات بجميع أشكالها، وبجميع أشكال الاتقاء، ومن ضمن ذلك التدين والتقوى والتصوف والزهد والصبر والأمل في نعيم الحياة الأخرى… وإما حول استبطان عنف التسلط ووغدنته؛ إما المعاني والقيم التي تدور حول: “على قد بساطك مد رجليك”، و “الباب الذي تأتيك منه الريح سده واستريح”، و”العين لا تعلو على الحاجب”، وإما حول المعاني والقيم التي تدور حول: “زرع السيف أخضر“؛ والسيف لا يُشهر إلا نادرًا في وجه الطغاة والمستبدين، إلا أن يشهره طامحون إلى الاستبداد واحتكار السلطة والثروة، كما هي حالنا في سورية اليوم، بل يشهر عادة على الأفقر والأضعف من المختلفين، ويشهر دومًا على النساء. “زرع السيف أخضر” هو عنوان النزاعات المحلية من الشجارات اليومية إلى الحروب الأهلية، والحروب العالمية أيضًا؛ إذ لا يتباين المثل الشعبي العربي عن المثل الشعبي الغربي كثيرًا؛ حيث إن كيفية التفكير في المجتمعات الإقطاعية لم تكن مختلفة، فالمثل الإنكليزي “رأس على طبق” الذي يحمل في معناه الحقد والكراهية والانتقام، ويسبب توليد العنف، والمثل الإيرلندي “نار قليلة تدفئ ولا نار كثيرة تحرق”، يوازي المثل العربي “على قد بساطك مد رجليك”.

لا أحد يعلم متى نشأ المثل الشعبي، لكننا نعلم أنه خطاب ذو دلالة ذكورية تسلطية، فالسيف للرجال؛ والحاجب مذكر، والأمثال كثيرة، كما نعلم –أيضًا- أن في الأمثال الشعبية طريقة منجزة لإخراج العقل من التفكير والتحليل؛ فلا نقرأ منها سوى التأكيد على المؤكد سلفًا، وإعادة إنتاج ثقافة العنف والاستبداد والخنوع.

الثقافة الإنسانية هي نتاج الفرد وعمله وسلوكه، كما هي الحرية، ومنها نعيد تشكيل العالم بصورة جديدة وليس بموروث منجز، “الثقافة هي نشاط اجتماعي وظاهرة تاريخية، نصنعها وتصنعنا. وهي قيمة بحد ذاتها، … تعمل على خلق أو إعادة إنتاج الواقع الراهن، بواقع جديد أو بديل، يكون أكثر جمالًا وكمالًا وعدلًا وإنسانية، إنها شوق البشرية الأبدي للحرية والتقدم والتغيير”، حسب تعبير غسان الجباعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق