ترجمات

تعاليم ماركس توافقت مع كود الشعب الروسي الحضاري

في الخامس من أيار/ مايو، يكون قد مرّ 200 عام على ولادة كارل ماركس. يتم الاحتفال بهذه المناسبة في روسيا على نحو أقل من متواضع. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود لم تعد الماركسية “التعاليم الصحيحة الوحيدة”؛ ولهذا اقتصرت الأمور على إصدار طابعٍ بريدي تذكاري. فكيف يُنظَر اليوم إلى الدور الذي لعبته الماركسية في التاريخ الروسي، وهل لها مستقبل؟

الجميع يعرف كارل ماركس في روسيا، كما بيّن استطلاعٌ أجراه المعهد الروسي لاستطلاعات الرأي العام؛ حيث أظهر الاستطلاع أن 98 بالمئة من المواطنين الروس، من ذوي الأعمار 18 عامًا فما فوق، يعرفون ماركس. ويختلف الأمر بين جيل الشباب الذين ولد معظمهم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار النظام الاشتراكي، حيث يعرفون القليل عمن يكون ماركس. هؤلاء سمعوا بالاسم، لا أكثر. معرفة من هو كارل ماركس تقتصر على نسبة 30 بالمئة من الشباب بين 18- 34 عامًا. وتذهب الذاكرة بالبقية إلى ما علمه هذا الألماني! أما عن الشيوعية والاشتراكية، فيتساءلون ماذا تعني؟ طرح الاستطلاع نفسُه سؤالًا: ما هي الأفكار الماركسية المعروفة بالنسبة إليك؟ فكانت النتيجة أن 82 بالمئة لم يستطيعوا تسمية أي من هذه الأفكار. أما الآخرون فاستطاعوا تذكر شيءٍ ما عن “المساواة والتآخي بين البشر”، و “كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته”، وأن “الرأسمالية تستغل العمال، وتستولي على القيمة المضافة”.

في الوقت نفسه، كانت بلادنا (روسيا) أول دولة، من بين جميع الدول، حاولت فعليًا العيش في ظل تعليمات الفيلسوف الألماني. وهذا أثّر بشكلٍ هائل في بلادنا، وفي العالم برمته. ونحن لا نستطيع حتى الآن التعامل مع إرث ماركس، ليس لأن هذا الإرث صحيح، بل لأننا لم نتمكن من الاتفاق حول كيفية الاستمرار بالعيش من دون الماركسية- اللينينية.

والآن، لم يبق كثير من الدول مخلصةً للماركسية. وبالمناسبة، يكفي أن نأخذ الصين مثلًا لنفهم أن تعاليم ماركس ليست محكومة أن تكون في مزبلة التاريخ. ففي الاحتفالية التي جرت في بكين، لم يخجل الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني من كيل المديح الرائع بحق ماركس:

“كارل ماركس هو معلم الثورة، بالنسبة إلى البروليتاريا والطبقة العاملة في العالم أجمع، وهو المؤسس الأول للحلقات الماركسية، وهو الذي شق الطريق أمام الشيوعية العالمية، إضافة إلى كونه المفكر الأعظم على الإطلاق في العصر الحديث… لقد ناضل في سبيل مصالح الشعوب، ووقف على رأس النضال الثوري. نتذكر نجاحاته الشخصية والتاريخية العظيمة، وروح وعظمة نظريته. مرت مائتا عامٍ، وعلى الرغم من التغيرات العميقة في المجتمع، يحظى اسم كارل ماركس باحترام العالم أجمع، وتبقى نظريته تشع كالجوهرة بنور الحقيقة… تمتلك التعاليم الماركسية أهمية كبيرة، تنتقل من جيلٍ إلى جيل… ليس هناك في العالم مثل هذه التعاليم، التي تركت مثل هذا التأثير على العالم”.

ما زال الشيوعيون يحكمون بعض دول العالم (ومؤخرًا وصلوا إلى السلطة قبل عدة سنواتٍ للمرة الأولى في نيبال) غير أن النظرية الماركسية كما نعرفها مشهورةٌ ليس فقط في الكثير من دول أميركا اللاتينية وآسيا، ولكن في بلد ماركس وأوروبا. وهي معروفةٌ ليس فقط وفق نموذج “الاشتراكية الإسكندنافية”، ولكن كنظرية اقتصادية أيضًا، وكمقاربةٍ لتحليل وجهات النظر. هذه الماركسية تختلف بشدة عن الماركسية- اللينينية، أي عن تلك التعاليم التي عاش في ظلها الاتحاد السوفيتي. فالماركسية هذه لا تمنع الملكية الخاصة على وسائل الإنتاج، وغيرها من الأشياء غير السوفيتية. هكذا تغير العالم، وسيستمر بالتغير!

مَنْ كان قبل فترةٍ يظن أن الأفكار الاشتراكية، ومن ضمنها الماركسية، تتمتع بشهرةٍ هي الأوسع ربما في صفوف الشباب في أكثر الدول عداءً للشيوعية، أي في الولايات المتحدة الأميركية؟ في الانتخابات القادمة، ستستمر ظاهرة السيناتور بيرني ساندرز، وهو الاشتراكي الديمقراطي، الذي كاد أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية.

قبل عدة سنواتٍ أصبح جيريمي كوربين زعيمًا لحزب الأحرار في بريطانيا، وهو ماركسي راديكالي، لم يكن بإمكانه في الماضي أن ينشر مقالاته إلا في صحيفة (مورنيغ ستار) شيوعية النزعة. ومن المفهوم، أنه لن تقوم في الغرب ثورات اشتراكية، ولكن الماركسية تمتلك هناك كل الحظوظ لتتجاوز مخاضًا جديدًا، لأنها تعتبر الرحم الذي خرجت منه الليبرالية، كاستمرارٍ ونفيٍ لها في الوقت ذاته. ومجتمع أوروبا الحالي هو نوع ما هجين بين الليبرالية مع نموذجها الفردية الإنسانية، وبين النسخة الاشتراكية الديمقراطية للماركسية، مع الاهتمام الحكومي بالجميع وبكل فردٍ في المجتمع، الذي انتقل إلى قيمٍ ومعايير مفروضة. وأصبح التعدد الثقافي والتسامح منتجًا لليبرالية والماركسية الغربية الحديثة، في الوقت نفسه.

أجل، لقد فقدت الماركسية في الغرب ثوريتها، ولكنها أبقت صبغتها الكوسموبوليتيكة، القومية، وأحيانًا طابعها المناهض للقومية. ستظهر هذه الماركسية يومًا ما على مسرح التاريخ، في وقتٍ تدور، على أنقاض النظام الاجتماعي الاقتصادي الحالي، معركةٌ بين القوميين/ التقليديين، وبين الأمميين/ اليساريين الجُدُد.

وماذا عن روسيا؟

لم تتحول الماركسية الروسية عبثًا إلى اللينينية، ومن ثم الستالينية (أي بناء الاشتراكية في بلدٍ واحد). فمنذ البداية، إذا كان الماركسيون الأكثر تطرفًا في صفوف البلاشفة، يعتبرون روسيا بمثابة منصة انطلاق لتحقيق الثورة العالمية (لأنهم اعتبروا أنفسهم ثوريين عالميين، وليس ثوريين روس فحسب، حتى إنهم لم يعتبروا أنفسهم مواطنين روس)، فقد انتصر في النهاية أولئك الذين اعتبروا أن لروسيا قيمة بحد ذاتها.

كان ستالين، من وجهة نظرٍ ماركسية أممية، معاديًا للثورة؛ لأنه انتهج طريق العيش وفق القوانين الماركسية في بلدٍ واحدٍ، وإن كانت أكبر دولةٍ في العالم، بدلًا من الاستمرار في تأجيج نار الثورة العالمية (وهو الأمر الذي ارتاب فيه، تجنيًا، قادة الدول السكسونية، بعد الحرب العالمية الثانية).

لم يخب ظن القادة السوفييت بالماركسية. ولكنهم قرروا فقط، أن بالإمكان بناء الشيوعية (وبالمناسبة كانوا صادقين تمامًا في ذلك، فنصف سكان أوروبا الغربية تؤيد الماركسية)، وفوق ذلك، هناك الدول الآسيوية المندفعة صوب الاشتراكية (والصين هي الأكبر، ولكنها لم تكن الوحيدة، فعود الشيوعية كان يشتد في المنطقة برمتها). وقتذاك، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان “العصر الذهبي” للماركسية. وعند حلول الذكرى 150 لولادة كارل ماركس، بدا وكأن العالم يصطبغ باللون الأحمر؟

ولكن عام 1968، مع الانتفاضات الطلابية في باريس والولايات المتحدة الأميركية، انقضى وبعد عقدين من الزمن انهار المشروع الماركسي الرئيسي، فهل تخلى الاتحاد السوفيتي نفسه عن الماركسية أو أنه بكل بساطة فشل في إعادة صياغتها؟ الإجابة هي الثانية بالطبع. وبغض النظر عن ملامح النظام الماركسي الروسي الأولية التي بدت معادية للقومية، فإن هذا النظام أصبح، بحلول زمن “البيريسترويكا”، مستعدًا بقوة للتأقلم مع إدراكنا القومي.

كان التخلي عن أحلام بناء المستقبل الشيوعي ضروريًا، ولكن لم تكن هناك حاجةٌ لهدم كل الإرث الاجتماعي-الاقتصادي. وقد بينت التجربة الصينية أنه كان من الممكن والضروري القيام بإصلاحاتٍ ذكية من الأعلى. المتغيرات كثيرة، ولكنها ليست مدمرة لكل ما يستجيب للمعايير الحضارية للشعب الروسي. التضامن، التكاتف، أولوية القيم الأخلاقية على القيم المادية، العدالة.. فهذه ليست مفاهيم اشتراكية، بل روسية. وبالتحديد، يجب أن يكون فهم هذا الأمر هو الدرس الرئيس الذي يجب أن نتعلمه مع حلول الذكرى الـ 200 لكارل ماركس.

اسم المقالة الأصلية Учение Маркса совпало с цивилизационным кодом русского народа

 

كاتب المقالة  بيتر أكوبوف
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 5 أيار 2018
رابط المقالة https://vz.ru/politics/2018/5/5/921145.html

 

ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق