تحقيقات وتقارير سياسية

على الأسد أن يستعيد شرعيته وسلطاته

نستطيع، على مضض، أن نتفهم أن المعارضة السورية لم تكن نتيجةً لانتخابات شعبية، وبالتالي فإنها تستمد مشروعيتها من بعض الدول والقوى الإقليمية بشكل توافقي، وليس من الشعب السوري بشكل مباشر، لكن ما هو ليس مفهومًا أن تطالب المعارضة بمفاوضات مع الرئيس السوري الذي فقدَ شرعيته نتيجةً لتخليه عن مهامه وواجباته وسلطاته التي أناط نفسه بها، من خلال كتابته لآخر نسخة من الدستور السوري، بمعنى أن الرئيس السوري ليس هو من يحكم البلاد اليومَ، ويكاد نفوذه أن يكون محصورًا ببعض المسائل الخدمية المدنية، وبعض المسائل البروتوكولية.

فمن ناحية الجيش، لم يعد هناك قوة حقيقية يمكن أن تُسمى “الجيش العربي السوري”، بعد أن اختص الروس أنفسهم بالعقيد سهيل الحسن وبعض الأفراد والجماعات المختارة من بقايا الجيش السوري، وشكلوا من هؤلاء ميليشيا ممولة من الجانب الروسي بشكل مباشر، وكذلك فعلت الميليشيات الإيرانية التي تزداد قوةً؛ كلما ضعف النظام أكثر، والنظام ممثلًا برئيس الجمهورية، نتيجةً لافتقار البلاد إلى الموارد الاقتصادية الحقيقية والمستقرة، يجد نفسه أضعف من أن يقول: لا، في وجه إيران التي موّلت وتموّل حربَه على شعبه، من أموال الفقراء في إيران، ومن النفط العراقي المنهوب، مقابل البقاء على كرسي الحكم فترة إضافية.

من المؤسف أن من أفقد الأسدَ شرعيتَه أو سطا عليها هم حلفاؤه وليس المعارضة، بعد أن فضل التخلي للخارج عن كامل سلطته، بدلًا من أن يقوم ببعض الإصلاحات لصالح شعبه، كان يمكن أن تحفظ له كرامته، فليس من اللائق بحق سورية -رئيسًا وشعبًا- أن تعلن القاعدة الروسية في حميميم أنها (أمّنت زيارة) للرئيس السوري إلى الغوطة الشرقية، وكأنها تقول إنها سمحت له بزيارة جزء من سورية، لا يبعد من قصره سوى كيلومترات قليلة، علمًا بأنه ما زال ممنوعًا من زيارة حلب أكبر المدن السورية، حتى اليوم.

على من كلّفهم المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، بالتفاوض نيابةً عن السوريين والممثلين بهيئة التفاوض، أن يكون لهم موقف واضح من قضية التفاوض، وعدم ترديد عبارة (حل سوري-سوري) بشكل ببغائي؛ فالحل السوري-السوري يستوجب خروج جميع الجيوش الخارجية من سورية، ويستوجب أن يستعيد الأسد شرعيته المنتهكة، وأن يستعيد سلطته كرئيس للجمهورية، وقد بات هذا الأمرُ مستحيلًا؛ إذ إن روسيا وإيران تتمسكان بوجوده صوريًا، كون وجوده يمنحهم شرعية وجودهم.

نستطيع أن نتفهم وجود تركيا والعراق ولبنان والأردن وحتى إسرائيل، على طاولة التفاوض؛ كونها دول تتشارك الحدود مع سورية، وذلك لمناقشة أمن حدودها فقط، وليس الخوض في المسائل السورية الداخلية، ونستطيع تفهّم الوجود الروسي كقوة دولية لها مصالح حيوية في سورية، وهذا أمرٌ يمكن التفاوض بخصوصه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الوجود الأميركي.

الأمر المرفوض بالمطلق هو أي شكل من أشكال الوجود الإيراني على طاولة المفاوضات؛ فإيران لا ترتبط بسورية بأي شكل من الآمال، ولا يوجد لها حدود مشتركة مع سورية، ويجب أن لا نسمح لها بالتدخل في الشأن السوري وبأن تحصل على مكافأة، بدلًا من محاسبتها وإجبارها على دفع التعويضات للشعب السوري، للأضرار البشرية والمادية الناجمة عن الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات الطائفية الحاقدة التي أرسلتها إلى سورية.

من المهم أن تعرف الهيئة التفاوضية مَن تفاوض، وعلى ماذا، كما أن من المهم إعادة النظر بالقرار الدولي 2245 الذي لم يكن يومًا يحمل الحلّ، لافتقاره إلى الآليات الزمنية والقوة الجبرية، ولأنه أطلق يد المبعوث الدولي للعبث بتنفيذه، حتى وصل الأمر إلى أن يشكل هيئات تفاوضية موازية، تحت عناوين مثل المجلس الاستشاري النسائي ومنظمات المجتمع المدني، وغيرها من المجموعات التي شكلها السيد دي ميستورا، محاولًا الالتفاف على الهيئة التفاوضية، وإحداث خروق وشقوق في صفوف المعارضة المخروقة أصلًا كالغربال.

مقالات ذات صلة

إغلاق