أدب وفنون

ابن كونٍ وبيته ورق

ثروته:

الشاعر موهوم عظيم، يفتح قلبه اليحتمل على الجهات، مثل بجعة مطعونة بالإيثار، وإذا ما رأى ريحًا سوداء ودمًا مسفوحًا في الأحلام؛ عرف أن البلاد بلاده في مهب الموت، الحريق في بيت قلبها، والحياة حياتها صارت كرة والأقدام كثيرة، فيترك الأحلام للأحلام، القبل السريعة للزوايا المظلمة، العشاق لظلال الأشجار العارية، الجهات للجهات، الله ليحرس هذا الخراب.

وحين لا أب، لا أم، لا بيت، لا سقف ترتد منه الذكريات، لا شمس ترتفع مثل طائرة غريبة، حتى لا يحدث الجحيم، ولا رب يعنى بيتمهم، يفسح في قلبه الذي قطعة من غيمة بيضاء لأطفال الفجيعة، يقول لهم: ادخلوا داري التي على الورق، انعموا بدمعتي السخية. ثروة الشاعر حسه، صورته الفريدة في البكاء.

مرةً قالوا له: انشق قميص الكون، فأخرج مسلةً من روحه، وصار يخيط الهواء بالكلمات. ومرةً قالوا له: لو ابتلعت قرصًا من الجمر تشفى بلادك من الحرب، فابتلع حصةً من الجحيم!

فقده:

الشاعر ابن الكون، لو مات سيتآكل كوكب من فضة حزنًا عليه، وسيذهب العالم إلى العتمة وحيدًا وهشًا كذئب في فلاة واسعة وأعداؤه كثر. لا شيء يعوض الكون ابنًا مهما يعد على ناره خبز الجمال، الشاعر إذا ناس صوته، تختفي أصوات عذبة في النحاس المشاع على وسع البرية ونسلها من الأشواك الحميدة والحيوانات التي تهب الكائن المعنى والإنسان!

والشاعر إذا ذوى؛ صارت اليابسة سيدة العالم، وعلى أحد مثلنا أنْ يتصور عالمًا مع سيدة مجنونة. لا رحمة لديها وهي تقطع رأس الحياة بسكين المكيدة والعطش وارتفاع حصة السراب في دمنا. سوف ننام في المحطة ليمر قطاره المحمل بالفكرة والفاكهة العاطفية، ثمة ليل طويل، طويل جدًا، وطريق طويلة إلى هناك، ولا بدّ من قوة كونية نظيفة ترافقنا لننجو بها..

للشاعر مقعد رجراج في حديقة الوقت، وكل إناثه من الكائنات المائلات للعشب لا يشربن دونه ريح الصباح وريق الملائكة في فناجين، تلعب في دواخلها الزوابع، ليشتد عضد الحكمة في التأمل. الأشجار -أنثى أخرى- تنظر إلى المشهد، تسيل روحها دمعةً كثيرةً وعصافير في آخر مناقيرها النار، ياللنار التي تأخذ الماء، تترك الآبار مهجورةً، البحار مشغولةً بالملح والغرقى، الأنهار غائرةً في السلوع، والحياة، الحياة كلها ذائبةً في المعدن الحار حيز اللاجدوى!

تأخر الشاعر عن عادته اليومية في استنفار العشاق والحقائب وأحلام العودة ومسارب الحنين إلى الحجر والتلال ومجاري الأنهار والدروب الضيقة بين الزروع، يجعل حياة الحديقة والمؤنثات من الكائنات ناقصةً، بلا الشاعر وآلامه البيضاء، وعاداته الحميدة في إحداث الفوضى ثمة عدم.

خيميائي

روحه روح خيميائي مجيد، يخلط الماء والزيت بالنار، ثم يعزل بينهما، الشاعر الأكسجين الحر، وغاز الدهشة المسال نحو شق مظلم في روح الكون، لو لمْ يك كائنًا شفافًا، يبني بيته في الأثير المحيط بالأرض، بين أرض فيها نار كثيرة وسماء مثقلة بطائرات الحرب؛ ما كان لهذا الكون شريك طيب يمد جسر المودة بين الله والنبي الجديد، قارئ سورة النيران.

حين يمر مثل سحابة من المخمل الثقيل، تتبعه ظلال طويلة، ولغة صافية كدنين الذهب، نكنس خلفه ما تناثر من غبار ذهبي، لنحصل على المعنى، وآه من معنى شظاياه مرايا، نتمرأى بها نحن وأطفال الشوارع البلا أمهات، البلا أمنيات إلى أنْ تنتهي الحرب، ليتها تنتهي الحرب، فنرى الشاعر ند الكائنة حمالة الأحزان وتوأمها، ونرى الحياة دون نيرانها، هكذا كما كانت موجة حرير مؤنثة. الحياة أنثى، الحرب مذكرة، والشاعر فكرة مجيدة، فاذهبوا إلى جحيمكم يا حساده.

معدنه النبيل

روح الشاعر روح نبي، لذا كل الذين أنشبوا فيها رماحهم انكسروا، ومضوا معطوبين أنصاف كتاب وأنصاف قراء، بينما روحه نبت فوقها عشب ملون وموسيقى. الحقيقيون على وجه البسيطة انعكاس لكواكب خيرة وعلى العالم أنْ يصدق!

والشاعر زيت سراج الخليقة، كفؤ الضوء ولزامه، فلا تدلقوه بالنقد لئلا تتسخ روحه المشبعة بالآلام، وانتظروه في المحطة وقولوا: كل ضوء قادم من بعيد هو سره، وكل صفير هو آه طويلة من آهاته.

مقالات ذات صلة

إغلاق